قدم الكاتب الصحفي والمحلل السياسي التركي أمره أوسلو، رؤية كاملة عن المشهد المركب لتنظيم (داعش) في لحظة راهنة حاسمة تتقاطع فيها أمنيات العواصم الإقليمية وحسابات القوى الدولية، على خلفية الاشتباك الدامي الأخير في يالوفا التركية، وتعثر مسار التفاهمات حول معسكرات ومعتقلات التنظيم في سوريا.
من اشتباك يالوفا إلى عودة سؤال “لصالح من يقاتل داعش؟”
أمره أوسلو الذي سبق أن عمل أستاذا في أكاديمية الشرطة، ويعيش حاليا في الولايات المتحدة، أن الاشتباك المسلح في قرية “ألماليك” بمحافظة يالوفا، جنوب إسطنبول، حيث قُتل ثلاثة من رجال شرطة وستة من عناصر يشتبه بانتمائهم إلى داعش، ليس مجرد حادث أمني معزول، بل حلقة في سلسلة صراع استخباراتي أوسع يتجاوز حدود تركيا إلى سوريا والعراق وحتى القرن الأفريقي.
ويوضح أن دلالة الحادث تتعاظم إذا وُضع في سياق حملة أمنية متزامنة شملت عشرات المداهمات المتوازية ضد خلايا مشتبه بها في خمسة عشر ولاية تركية، في وقت يجري فيه التفاوض على مستقبل معسكرات داعش وملف المقاتلين المحتجزين لدى قوات سوريا الديمقراطية ومعسكر الهول في شمال شرق سوريا.
عودة “الشبح” إلى قلب المشهد
وفق قراءة أوسلو، عاشت المنطقة منذ عامي 2012–2013 موجة صعود كاسحة لداعش جعلت التنظيم رمزا عالميا للإرهاب، قبل أن يُعلن عن “هزيمته” عسكريا في سوريا والعراق عام 2019، لكن من دون تفكيك جذوره الاجتماعية أو شبكاته التنظيمية.
اليوم – في تقديره – يعود التنظيم كـ“شبح استراتيجي”، لا بوصفه دولة ميدانية كما كان في الموصل والرقة، بل كأداة ضغط وحساب في صفقات الإقليم، تُستدعى خلاياه وتُستخدم “أصواتها الرصاصية” في لحظات مفصلية تتصل بتوازنات سوريا، ووضع الأكراد، ومستقبل الترتيبات الأمنية على الحدود التركية–السورية.
الجذور الاجتماعية والفكرية لداعش كتنظيم “عضوي” قابل للاستخدام
يؤكد أوسلو أن فهم داعش لا يمكن أن يُختزل في كونه “صنيعة مخابراتية صرفة”، بل هو نتاج مركب لفوضى اجتماعية وفكرية في جغرافيا يغلب عليها المزاج السلفي واحتقان “مناهض للإمبريالية”، تزاوج مع نزعات ثأرية وطائفية وقومية، لينتج أرضية خصبة لولادة تنظيم شديد الراديكالية.
لكن هذا “المنشأ العضوي” – كما يلفت – لا ينفي على الإطلاق قابلية التنظيم للاختراق والاختراق المضاد، ولا يمنع أجهزة الاستخبارات والدول من توظيفه في أجنداتها، بل ربما يجعله أكثر عرضة للتحريك عبر قنوات معقدة من الاختراق، والتغاضي، وفتح المسارات، وغض الطرف المقصود.
نموذج الكردستاني: من سياق “الكفاح الكردي” إلى أداة في صراع المياه
يضرب أوسلو مثلا بحزب العمال الكردستاني، الذي نشأ من رحم قضية كردية واجتماعية يسارية، ثم استُخدم لفترة طويلة أداة بيد الاستخبارات السورية في الثمانينيات والتسعينيات، في ظل صراع سوري–تركي حول مشروع “غاب” التركي وتقاسم مياه الفرات ودجلة.
ويشير إلى أن حافظ الأسد استثمر وجود زعيم الكردستاني عبد الله أوجلان على أراضيه لسنوات، مستخدما خطاب “البيئة والأنهار والسدود” لتغطية صراع استراتيجي حول المياه، ما يعكس – في رأيه – كيف يمكن لتنظيم ذي جذور اجتماعية حقيقية أن يتحول إلى أداة في يد جهاز دولة، من دون أن يُختزل بالكامل في هذه الأداة.
إسقاط النموذج على داعش
انطلاقا من هذه المقاربة، يرى أوسلو أن داعش نشأ أيضا من “فوضى اجتماعية–مذهبية” في العراق وسوريا، حيث التقت السلفية الجهادية مع إحساس عميق بالتهميش والظلم في بيئات سنية تعرضت للقمع، خاصة بعد الغزو الأميركي للعراق وسياسات الإقصاء الطائفي.
غير أن المسار العملي للتنظيم – باستهدافه الواسع للمدن والقرى ذات الأغلبية المسلمة، مع ندرة ضرباته النوعية والمؤثرة ضد إسرائيل أو غيرها من القوى التي يصفها خطاب التنظيم بـ“العدو الرئيس” – فتح الباب واسعا أمام سؤال جوهري: إذا كان داعش يرفع لواء “الدفاع عن الأمة”، فلماذا تركز نيرانه على جسدها الداخلي أكثر من خصومها الخارجيين؟
فرضية “داعش والإيرانيين”: تقاطع المصالح لا التبعية المباشرة
يستعرض أوسلو بإسهاب نقاشا طويلا دار في أوساط بعض دوائر الاستخبارات الإقليمية، مفاده أن داعش ربما خدم – فعليا – أجندة إيران في سوريا والعراق، حتى لو لم يكن “وحدة عملياتية” ضمن جهازها الأمني.
فبروز داعش في سوريا بعد 2013 – من وجهة نظره – حوّل الثورة السورية من حركة احتجاج شعبية مسلحة ذات شرعية دولية واسعة إلى ساحة حرب ضد “إرهاب عابر للحدود”، ما أعطى لنظام بشار الأسد فرصة ذهبية لإعادة تقديم نفسه كـ“أهون الشرور” أمام عواصم غربية وعربية مترددة.
كيف استفادت طهران من “أهوال داعش”؟
يشير أوسلو إلى سلسلة من العناصر التي تغذي هذه الفرضية:
- انطلاق تمدد داعش من عراق خاضع لنفوذ إيراني عميق، وسط عجز أو تغاضٍ حكومي عن تحركاته الأولى، بما في ذلك سيطرته على الموصل وتقدمه نحو مناطق كردية حساسة.
- محدودية الصدامات الفعلية بين داعش والقوات الموالية لإيران مقارنة بشراسة المعارك التي خاضها التنظيم مع فصائل معارضة أخرى في سوريا، كان إسقاطها للنظام سيُضعف نفوذ طهران جذريا.
- استخدام الإعلام والآلة الدعائية الإيرانية لجرائم داعش لتكريس سردية تربط “الإرهاب” حصرا بالتكوينات السنية، في إطار مشروع أوسع لشيطنة “السنة السياسيين”، وتعزيز شرعية المحور المسلح الموالي لطهران.
مع ذلك، يرفض أوسلو الجزم بأن داعش “أداة إيرانية خالصة”، ويميل إلى توصيف أدق: تنظيم مستقل نسبيا، استغلت إيران وجودَه وأهواله لتبرير تدخلها ولضرب خصومها، مع احتمال غض الطرف في بعض المراحل عن تحركاته بما يخدم أجندتها.
إسرائيل وداعش: تقاطعات التوقيت والوظيفة والاستثمار في الفوضى
يرى أوسلو أن العلاقة بين مسار عمليات داعش وتوقيت الأزمات المحيطة بإسرائيل تثير مجموعة من “التطابقات اللافتة” التي يصعب تجاهلها، وإن كان يحذر من القفز إلى استنتاجات تبسيطية من نوع “داعش منظمة إسرائيلية.
ومع أن سجلات الهجمات تظهر أن التنظيم أو خلاياه نفذت بالفعل عددا محدودا من العمليات ضد أهداف داخل إسرائيل أو ضد إسرائيليين – غالبا على نطاق ضيق وبأدوات فردية أو شبه فردية – إلا أن الصورة العامة، وفق تحليله، تؤكد أن الكتلة الكبرى من دم التنظيم سُفكت في الجغرافيا العربية والإسلامية.
إسرائيل ومعادلة “إدارة الفوضى”
يطرح أوسلو مقاربة مفادها أن مشاريع إسرائيل في سوريا والعراق، وفي القرن الأفريقي أيضا، تقوم على تحويل محيطها إلى فسيفساء من الكيانات الضعيفة المتنازعة، بما يضمن تفوقها الاستراتيجي لعقود.
ومن هذا المنظور، تصبح “فوضى داعش” – برأيه – فرصة ذهبية لإدامة حالة التفكك في سوريا والعراق، وإضعاف المركز السوري، وفتح الباب واسعا أمام ترتيبات في الشمال الشرقي السوري تعزز وضع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) كشريك أمني محتمل لإسرائيل وواشنطن على المدى الطويل.
ويشير إلى أن تل أبيب تدعم فكرة استمرار إدارة معسكرات داعش ومعتقلاته في روج آفا بيد قسد، بحجة أن تسليمها للحكومة السورية أو لأي طرف آخر قد يفتح الباب أمام “عودة الخطر”، وهو ما يمنح هذه القوات ورقة شرعية وأمنية ثمينة في المساومات الجارية.
معسكرات داعش في سوريا: من عبء أمني إلى “رهائن سياسية”
يعتبر أوسلو أن معسكرات ومعتقلات داعش في شمال شرق سوريا – وعلى رأسها مخيم الهول – تحولت إلى “رصيد سياسي” تتعامل معه قسد كأوراق رهائن في مفاوضاتها مع دمشق وواشنطن والقوى الدولية، لا مجرد عبء أمني وإنساني.
فوجود آلاف المقاتلين السابقين وعشرات الآلاف من النساء والأطفال المرتبطين بالتنظيم يمنح قسد قدرة على القول: “نحن الحاجز الأخير أمام انفجار جديد لداعش”، وهو خطاب يجد آذانا صاغية في دوائر غربية تخشى موجة عنف جديدة أو موجة عودة واسعة للمقاتلين الأجانب إلى بلدانهم.
تعثر مسار دمشق – قسد وتأجيل زيارة مظلوم عبدي
ينبه أوسلو إلى أن تأجيل الزيارة التي كان من المقرر أن يقوم بها قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، إلى دمشق نهاية ديسمبر 2025 “لأسباب تقنية”، يجيء في خضم لحظة شديدة الحساسية تخص ترتيب مستقبل هذه المعسكرات ودمج قسد في المؤسسات السورية.
ويطرح تساؤلا سياسيا مباشرا: هل يتعلق هذا التأجيل بحسابات أمنية تتصل بتوقع هجمات أو تحركات لداعش في سوريا وتركيا، بما قد يضعف موقف أنقرة على طاولة التفاوض، ويمنح قسد وقتا إضافيا لتعزيز أوراقها؟ أم أن ضغوطا متضاربة من واشنطن وتل أبيب وأنقرة ودمشق تجعل أي خطوة عملية نحو اتفاق نهائي محفوفة بالمخاطر؟
تركيا وداعش: من “ممر العبور” إلى “ورقة التفاوض”
يفرد أوسلو مساحة واسعة لتشريح مسار علاقة أنقرة بداعش، ويرى أن تركيا مرت بثلاث مراحل متمايزة: التغاضي/الاستثمار، ثم الاحتكاك والصدام، ثم التوظيف السياسي العلني في خطاب “مكافحة الإرهاب”.
مرحلة “الطريق المفتوح” إلى سوريا
في المرحلة الأولى، يشير أوسلو إلى أن تركيا سمحت عمليا – عبر تراخي الرقابة أو التغاضي المقصود – بعبور مئات وربما آلاف المقاتلين الأجانب إلى سوريا عبر مطاراتها وحدودها البرية، خاصة عبر إسطنبول ثم حدود هاتاي باتجاه حلب، في سياق استراتيجية إسقاط نظام الأسد بأي ثمن.
ويستعيد أوسلو تقارير إعلامية دولية أظهرت كيف تحول بعض الأحياء في أنقرة وغيرها إلى بؤر نشاط مكشوفة لعناصر متعاطفة مع داعش، إضافة إلى حوادث نقل جرحى التنظيم للعلاج، بما في ذلك ما نُسب إلى استخدام مبانٍ بكاملها كمستشفيات ميدانية غير معلنة، على مرأى من أجهزة الدولة.
“دعم بالسلاح” وتفكيك “المعارضة المقبولة”
يذهب أوسلو إلى أن أجهزة تركية لعبت دورا في تسليح مجموعات إسلامية متشددة في سوريا، سواء مباشرة أو عبر تحويل جزء من تدفقات السلاح القادمة من ليبيا وشرق أوروبا إلى فصائل مثل جبهة النصرة/هيئة تحرير الشام وفصائل أخرى تقاطعت ميدانيا مع داعش أو ناورته.
وفي الوقت نفسه، فشل برنامج “التدريب والتجهيز” الذي شاركت فيه أنقرة وواشنطن لتكوين معارضة “معتدلة” تقاتل الأسد وداعش معا؛ إذ سقط جزء من هذه التشكيلات في أيدي داعش بسرعة، واستولى التنظيم على أسلحة وذخائر قدمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، ما فُسر في واشنطن – كما ينقل أوسلو – كاختراق خطير يوحي بأن تسريبات جاءت من أطراف تركية لا ترغب في مسار أميركي مستقل عن رؤيتها.
من “الشريك” إلى “الخصم”: بداية الارتداد داخل تركيا
حين تشكل تحالف دولي واسع لضرب داعش، وتعمقت الشراكة الميدانية بين الولايات المتحدة ووحدات حماية الشعب الكردية (قسد)، بدأت أنقرة تدرك أن “اللعبة” تخرج عن نطاق سيطرتها، فانتقلت تدريجيا إلى مربع الصدام مع التنظيم.
يشير أوسلو إلى أن داعش نفذ بالفعل هجمات داخل تركيا، بينها عملية في نيغدة، وخطف دبلوماسيين أتراك من الموصل، واستخدام هؤلاء كأوراق تفاوضية لتبادل أسرى مع أنقرة، ما كشف – في رأيه – طبيعة العلاقة التي يصفها بـ“عدو–شريك” بين التنظيم وبعض دوائر الدولة التركية في مراحل سابقة.
العمليات ضد داعش كأداة لشرعنة النظام التركي خارجيا
يلاحظ أوسلو نمطا متكررا يصفه بأنه “خط سير متواز” بين زيارات الرئيس رجب طيب أردوغان إلى واشنطن – منذ عهد باراك أوباما – وبين حملات الاعتقالات أو المداهمات التي تستهدف تنظيمات مصنفة إرهابية مثل القاعدة وداعش داخل تركيا.
فالسلطات التركية كانت تعلن – في توقيت متقارب مع كل زيارة – عن نجاحات أمنية جديدة ضد خلايا متشددة، لتقديم صورة أنقرة كـ“سد منيع في وجه إرهاب داعش وأمثاله”، في مواجهة انتقادات أميركية وأوروبية تتهم الحكومة التركية بالتساهل مع الجهاديين خلال الحرب السورية.
من “مكافحة الإرهاب” كمسؤولية أمنية إلى “لغة تفاوض”
في هذا السياق، يقرأ أوسلو موجة المداهمات الأخيرة، وما تلاها من الاشتباك الدامي في يالوفا، باعتبارها رسالة موجهة إلى الإدارة الأميركية الحالية، مفادها أن تركيا شريك لا غنى عنه في إدارة ملف معسكرات داعش في سوريا، وقادرة على تولي المسؤولية الأمنية إذا انسحبت واشنطن أو أعادت تموضعها.
ويربط بين ذلك وبين ضغوط تركية لإقناع الولايات المتحدة بنقل إدارة معسكر الهول ومعسكرات داعش الأخرى من قسد إلى الحكومة السورية (بدعم تركي غير مباشر) أو إلى ترتيبات أوسع تضمن لأنقرة دورا محوريا في “إدارة الخطر”، مع الإصرار على تقليص دور قسد كقوة مسيطرة على هذه الأوراق.
يالوفا كنموذج: ثغرات أمنية أم ترتيبات فوقية؟
يعبر أوسلو عن شكوك عميقة إزاء الطريقة التي نُفذت بها مداهمة يالوفا؛ إذ يلفت إلى أن أحد القتلى المنتمين لداعش كان قد اعتُقل سابقا وقضى أشهرا في السجن قبل الإفراج عنه، ما يعني – في تقديره – أن الأجهزة كانت على علم بمساره ومكان إقامته.
ويتساءل: كيف يمكن لدولة تتابع – بدقة – حياة آلاف من الذين خرجوا من السجون بتهم سياسية أو أمنية أقل خطورة (مثل الموظفين المفصولين بعد الانقلاب الغامض في 2016) أن تغفل مراقبة عنصر سابق في داعش إلى هذا الحد، ثم ترسل دوريات شرطة عادية – بلا تغطية كافية من القوات الخاصة – إلى منزل يُفترض أنه شديد الخطورة؟
“التضحية” كورقة في ملف السياسة الخارجية
من هنا، يطرح أوسلو سؤالا قاسيا: هل يمكن النظر إلى مقتل رجال الشرطة في يالوفا بوصفه “ثمنا دمويا” استُخدم لتعزيز سردية تركية رسمية تقول لواشنطن: “نحن من يدفع ثمن مواجهة داعش داخل حدودنا، فلا تتهمونا بالتواطؤ، وسلمونا ملف المعسكرات في سوريا”؟
ويضيف أن فرضية “الإهمال المتعمد” أو “الاستثمار في الصدمة” لا يمكن استبعادها تماما في بيئة سياسية يعتبر أن منطقها العام قائم على استخدام الأمن ومكافحة الإرهاب كأدوات رئيسية لبناء شرعية خارجية في ظل تآكل الشرعية الداخلية.
الاصطفافات الكبرى: تركيا، قسد، إسرائيل، والغرب
في قراءته الشاملة، يرى أوسلو أن داعش – في صيغته الراهنة – يعمل كـ“مفتاح استراتيجي” تستخدمه عدة أطراف، كل من زاويته:
- إسرائيل تستفيد من وجوده وما يثيره من رعب لتبرير مشاريع إعادة هندسة خرائط سوريا والعراق، وتعزيز علاقاتها الأمنية مع قوى محلية كقسد، مقابل إضعاف المركز السوري وإشغال تركيا.
- قسد تعتمد في جزء من شرعيتها الدولية على إدارة خطر داعش ومعسكراته، وتستخدم ملف المعتقلين والمخيمات كورقة تفاوض مع دمشق وواشنطن والعواصم الأوروبية.
- تركيا توظف هذا الملف – بحسب أوسلو – في اتجاهين متوازيين: أولاً لتمرير رسائل إلى الداخل بأنها “الحصن في مواجهة الإرهاب الإسلامي”، وثانياً لانتزاع اعتراف دولي بدورها كلاعب لا يمكن تجاوزه في ترتيبات ما بعد الحرب في سوريا.
البعد الأنكلوساكسوني: “إذا تعاركت سمكتان…”
يتوسع أوسلو في استعادة مقولة منسوبة إلى حكمة شعبية: “إذا رأيت الأسماك تتعارك في أعماق البحار فاعلم أن بريطانيا مرت من هناك”، ليبني عليها فرضية أوسع حول دور بريطاني–أنكلوساكسوني في استثمار الحركات “الجهادية” الراديكالية لتقسيم مناطق النفوذ وإعادة هندسة خرائط النفوذ في العالم الإسلامي.
ويستعيد حادثة قيام الاستخبارات التركية في وقت سابق باعتقال عناصر من القاعدة/داعش كانوا يعبرون من أوروبا عبر إسطنبول إلى العراق لمقاتلة الأميركيين، بينما كانت أجهزة بريطانية تتابعهم خطوة بخطوة من دون إيقافهم، في مشهد يراه دالا على استعداد بعض العواصم الغربية لاستخدام “المقاتلين الجهاديين” في حروب تحريك الخرائط ثم التخلي عنهم.
الداخل التركي: من “ترهيب المجتمع” إلى تفريغ البدائل المعتدلة
يتوقف أوسلو عند تأثير السياسات الداخلية التركية على تمدد التيارات المتطرفة، خصوصا بعد ضرب الحركات الإسلامية أو الدينية “المعتدلة” التي شكلت – في رأيه – سدّا اجتماعيا أمام التطرف المسلح.
ويتساءل: حين تُجرّم السلطات شبكات تعليمية وخيرية ذات طابع محافظ أو ديني وتلصق بها تهمة “الإرهاب”، ثم تُغلق مؤسسات كانت تستوعب آلاف الشباب، ألا تخلق بذلك فراغا تستغله تنظيمات إرهابية حقيقية مثل داعش لاصطياد عناصر جديدة؟
“داعش ككيس ملاكمة”
في إحدى خلاصاته الجزئية، يشبه أوسلو تعامل النظام التركي مع داعش بـ“كيس الملاكمة” المعلق في زاوية الصالة: يعتنى به ويحفظ من التلف لأنه ضروري للتدريب، ثم يُضرب بقسوة عندما يحين وقت العرض أمام الجمهور.
فالتنظيم – بهذا المعنى – ليس “حليفا رسميا” للدولة، لكنه أيضا ليس عدوا يُسعى إلى استئصاله جذريا؛ بل أداة يمكن إحياء خطرها أو تخفيض منسوبها وفقا لحاجة الخطاب السياسي، سواء في الداخل أو على طاولة المساومات الخارجية.
روبوسكي وذاكرة الدم: نمط متكرر في العلاقة بين الأمن والسياسة
يربط أوسلو بين ما جرى في يالوفا وبين حادثة أخرى تركت أثرا عميقا في الذاكرة الكردية والتركية: مجزرة روبوسكي (أولودره) عام 2011، حين قُصف مجموعة من المدنيين الأكراد ظنا أنهم عناصر “إرهابية” من العمال الكردستاني، ما أدى إلى مقتل عدد كبير منهم، بينهم مراهقون.
ويشير إلى أن الأجهزة والشخصيات التي لعبت أدوارا مركزية في تلك الحادثة – كما يسميهم: هاكان فيدان، خلوصي أكار – تمت مكافأتهم لاحقا بتولي مناصب سيادية كبرى، ما يعكس، في نظره، نمطا تصبح فيه “الأخطاء القاتلة” أو “القرارات الدموية” جزءا من رأس المال السياسي داخل المنظومة الحاكمة.
آفاق المرحلة المقبلة: هل نحن أمام موجة جديدة لداعش؟
من منظور استراتيجي، يرى أوسلو أن ظروف إعادة تشغيل “محرك داعش” متوافرة: تعثر مفاوضات دمشق–قسد، والتوتر التركي–الأميركي حول الأكراد، وضغوط إسرائيل لتكريس ترتيبات تقسيمية في سوريا، وأزمات المخيمات ومعسكرات الاعتقال، وتصاعد التنافس الأنكلوساكسوني–الروسي–الإيراني في المشرق.
ويحذر من أن أي اضطراب واسع في إدارة معسكرات الهول وروج، أو أي انسحاب غير منظم للقوى الدولية من مناطق النفوذ الحالية، يمكن أن يفتح نافذة واسعة أمام عودة شبكات داعش للعمل، سواء في صورة خلايا عنقودية صغيرة أو موجات عنف أكبر يصعب السيطرة عليها لاحقا.
“داعش ليس مشروع دولة.. بل وظيفة متحركة”
في الخلاصة النظرية، يشدد أوسلو على أن داعش، في صيغته الراهنة، ليس “مشروع دولة” كما كان يرفع شعاره في 2014، بل “وظيفة متحركة” توزع أرباحها وخسائرها على طاولة إقليمية ودولية معقدة.
هذه الوظيفة – كما يصفها – تغذي سرديات التخويف في الغرب، وتبرر سياسات أمنية صارمة ووجودا عسكريا خارجيا، وتمنح أنظمة محلية ذرائع لمزيد من القبضة الأمنية، وتوفر لإسرائيل هامشا أوسع لإعادة تصميم خرائط الجوار، بينما يدفع الثمن الأكبر سكان المدن والقرى التي تتحول، مرة بعد أخرى، إلى مسارح لعمليات التنظيم وردود فعل الدول عليه.

