في قراءة تحليلية لخطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يلفت الصحفي التركي نجيب بهادر إلى جملة قالها الرئيس على نحو بدا عابراً في ظاهرها، لكنها تحمل – برأيه – دلالات تتضمن اعترافا عميقا يمس جوهر التجربة السياسية والاجتماعية لحزب العدالة والتنمية على مدى أكثر من عقدين.
الجملة لم تُثر، بحسب بهادر، النقاش الذي تستحقه لا في الإعلام ولا في الرأي العام، رغم أنها صادرة من رأس السلطة وبصيغة تقريرية لا تحتمل التأويل.
يشير بهادر إلى أن أردوغان ألقى كلمته من نص مكتوب، ما يعني أن العبارة لم تكن زلة لسان أو انفعال لحظي. وبرأي الكاتب، لا يمكن في قضايا بهذا الحجم أن يُنسب الكلام إلى كُتّاب الخطابات أو المستشارين، إذ يدرك الرئيس مسبقاً حجم التفاعلات والاعتراضات المحتملة. من هنا، يرى بهادر أن الفكرة تعكس قناعة أردوغان الشخصية، حتى وإن لم يُرد لها أن تتحول إلى محور سجال عام.
المشهد السياسي الداخلي: معارضة منشغلة وسلطة مأزومة
في السياق الأوسع، يربط بهادر بين تجاهل هذا التصريح وبين حالة التشظي التي يعيشها المشهد السياسي. المعارضة، كما يصفها، غارقة في أزماتها اليومية، والإعلام المعارض منهك أمام تراكم الفضائح والأزمات، فيما تعيش السلطة حالة ارتباك غير مسبوقة، حيث تتهاوى السياسات تباعاً دون أن يبرز أي مجال يمكن وصفه بالنجاح. هذا الفراغ، برأي الكاتب، سمح بمرور “الاعتراف” دون مساءلة جدية.
من اعتراف الابن إلى اعتراف الأب
يستعيد بهادر تصريحاً سابقاً لبلال أردوغان دعا فيه إلى “إعادة ترسيخ فكرة أن الإنسان المتدين إنسان صالح”. ويقرأ الكاتب هذا الكلام ليس كتمنٍ أخلاقي، بل كتشخيص لانهيار صورة اجتماعية كانت السلطة تراهن عليها. ويسأل: هل انهارت هذه الصورة تلقائياً أم نتيجة سياسات مباشرة؟ ليخلص إلى أن مسؤولية هذا التحول تقع على عاتق السلطة التي استخدمت الدين في السياسة حتى أفرغته من مضمونه الأخلاقي، وأدخلت المحافظين في مأزق أخلاقي عميق.
الجملة المفصلية: حين يُقارن الانحراف الاجتماعي بالإرهاب
محور التحليل يتمحور حول قول أردوغان إن المخدرات والكحول والقمار والمراهنات الإلكترونية باتت تشكل خطراً على “البنية الوطنية” يفوق خطر الإرهاب. يقرأ بهادر هذا الكلام بوصفه إقراراً رسمياً بأن المجتمع يعيش أزمة بنيوية شاملة. فانتشار المخدرات بين فئات عمرية متدنية، وتوسع القمار والمراهنات القانونية وغير القانونية، وتحول الكحول إلى ظاهرة اعتيادية، كلها وقائع معروفة مجتمعياً، لكن الجديد – برأي الكاتب – هو أن يقر بها رأس السلطة بهذا الوضوح.
من المسؤول عن تحويل الجغرافيا إلى مستنقع؟
يطرح بهادر سؤال المسؤولية بشكل مباشر. فمن يحكم البلاد منفرداً منذ سنوات طويلة، وتتحرك مؤسسات الدولة بإشارة منه، لا يمكنه – وفق منطق الكاتب – التنصل من النتائج. ويرى أن الحديث عن “مستنقع اجتماعي” لا يمكن فصله عن مشروع “الجيل المتدين” الذي رُوّج له، والذي أُنيطت إدارة جزء كبير منه بمؤسسات يقودها بلال أردوغان، بعد إقصاء كل الفاعلين الآخرين من هذا المجال.
الرمزية الصادمة: صور ووقائع
يستحضر بهادر واقعة ظهور بلال أردوغان في نشاط رياضي إلى جانب أسماء لامعة، قبل أن يُعتقل أحد هؤلاء لاحقاً بتهم تتعلق بتعاطي مخدرات ثقيلة. وبرأي الكاتب، فإن هذه الرمزية تختصر التناقض بين الخطاب والممارسة، وتطرح سؤال القدوة والتأثير المجتمعي، خاصة حين يتعلق الأمر بشخصيات تُقدَّم بوصفها واجهة لمشروع أخلاقي محافظ.
إلقاء اللوم على المعارضة: إنكار أم هروب؟
ينتقد بهادر بشدة محاولة أردوغان تحميل المعارضة، وتحديداً حزب الشعب الجمهوري، مسؤولية هذا الانهيار، عبر ربطه بخطابات عن “تطبيع القمار” أو “خفض أسعار الكحول”. ويرى في ذلك قطيعة مع الواقع، إذ إن السلطة، بحسب الكاتب، اعترفت بالمشكلة لكنها رفضت الاعتراف بمسؤوليتها عنها، مفضلة تحويلها إلى أداة سجال سياسي.
يخلص نجيب بهادر إلى أن تصريح أردوغان يمثل اعترافاً صريحاً بانهيار المشروع الأخلاقي الذي رُفع شعاراً طوال سنوات الحكم. فالحلم ببناء مجتمع محافظ ومتدين انتهى، وفق قراءة الكاتب، إلى واقع مثقل بالمخدرات والقمار والكحول، في مفارقة تاريخية لا يمكن تفسيرها إلا بوصفها فشلاً سياسياً وأخلاقياً تتحمل السلطة مسؤوليته المباشرة.
الخلاصة
يرى نجيب بهادر أن أخطر ما في خطاب أردوغان ليس توصيفه للكارثة الاجتماعية، بل كونه اعترافاً متأخراً بفشل مشروع حكم كامل. الاعتراف قيل، لكن المساءلة لم تبدأ بعد.

