تكشف نتائج استطلاع حديث أجرته شركة “متروبول” التركية خلال الفترة بين 11 و16 مارس عن تغيرات ملموسة في ترتيب الشخصيات السياسية الأكثر قبولًا في تركيا. فقد حافظ رئيس بلدية أنقرة منصور يافاش على موقعه في الصدارة بنسبة تأييد بلغت 54%، مسجلًا ارتفاعًا بنحو 6 نقاط مقارنة بالشهر السابق، ما يعكس استمرار جاذبيته لدى شريحة واسعة من الناخبين.
في المقابل، حقق الرئيس رجب طيب أردوغان تقدمًا ملحوظًا، إذ ارتفعت نسبة تأييده إلى 46% بزيادة 8 نقاط، متجاوزًا بذلك منافسه الأبرز أكرم إمام أوغلو، الذي حل رابعًا بنسبة 44% رغم تسجيله هو الآخر ارتفاعًا بنحو 5 نقاط.
صعود شخصيات جديدة وثبات المعارضة
حل وزير الخارجية هاكان فيدان في المرتبة الثالثة بنسبة 45%، مستفيدًا من تصاعد أهمية الملفات الخارجية في ظل التوترات الإقليمية، إلى جانب صورته كمسؤول تكنوقراطي هادئ. أما زعيم حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزل، فقد ارتفعت شعبيته إلى 38%، في حين سجل حليف أردوغان، زعيم الحركة القومية دولت بهجلي، زيادة لافتة بلغت 9 نقاط ليصل إلى 35%.
وفي مرتبة أدنى، جاء رئيس حزب “الجيد” مساوات درويش أوغلو بنسبة 25%، ما يعكس استمرار التفاوت داخل معسكر المعارضة.
إمام أوغلو: دعم مستقر رغم الضغوط القضائية
رغم تراجعه في الترتيب، حافظ إمام أوغلو على مستوى مرتفع نسبيًا من التأييد، في ظل ظروف سياسية وقضائية معقدة. وكان قد اعتُقل في مارس 2025، بالتزامن مع ترشيحه رسميًا من قبل حزب الشعب الجمهوري للانتخابات الرئاسية، في خطوة اعتبرها منتقدون محاولة لإقصائه من المشهد السياسي قبل استحقاق 2028.
ويواجه إمام أوغلو اتهامات ثقيلة تشمل قيادة منظمة إجرامية، والاختلاس، والتلاعب بالمناقصات، والرشوة والتجسس، ضمن لائحة اتهام تتحدث عن نشاط ممتد لسنوات داخل بلدية إسطنبول.
قراءة في دلالات التقدم: بين الأسلوب والتوقيت
تعزو التحليلات تصدر يافاش إلى نمط قيادته الذي يوصف بأنه منخفض التوتر، إداري الطابع، ويعتمد على الثقة والكفاءة، وهو ما يجذب شريحة من الناخبين الباحثين عن بديل هادئ بعيد عن الاستقطاب الحاد.
أما تقدم أردوغان، فيرتبط جزئيًا بتصاعد القضايا الأمنية والإقليمية، حيث يُنظر إليه من قبل قطاع من الرأي العام باعتباره أكثر خبرة في إدارة الأزمات، وهو ما انعكس بوضوح في نتائج الاستطلاع.
تفوق نسبي للحكومة في قضايا الأمن والسياسة الخارجية
في سيناريو افتراضي يتعلق بإدارة أزمة حرب إقليمية، أظهر الاستطلاع تفضيل 45% من المشاركين لأردوغان، مقابل 29% فقط لصالح أوزال. كما اعتبر 51% من المستطلعين أن سياسة أردوغان الخارجية تمثل فرصة لتركيا، مقابل 40% يرونها مصدر مخاطر.
ويبرز في هذا السياق أن تقييم أداء الحكومة في السياسة الخارجية يبدو أكثر إيجابية مقارنة بتقييمها في الملفات الاقتصادية، ما يمنحها هامش قوة في أوقات الأزمات.
اللافت أن نحو ثلث ناخبي حزب “الجيد” وحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب المؤيد للأكراد يرون أيضًا في سياسة أردوغان الخارجية عنصر فرصة، ما يشير إلى تقاطعات غير متوقعة في المزاج السياسي.
توازن حزبي دقيق وتقدم طفيف للمعارضة
على مستوى الأحزاب، أظهر الاستطلاع تقدم حزب الشعب الجمهوري بنسبة 33% بعد توزيع أصوات المترددين، متقدمًا بشكل طفيف على حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي سجل 32%. هذا التقارب يعكس حالة استقطاب متوازن، دون حسم واضح لأي طرف.
سياق سياسي مشحون: ضغوط على المعارضة
تأتي هذه النتائج في ظل تصاعد الضغوط الحكومية على حزب الشعب الجمهوري منذ انتخابات أكتوبر 2024، التي حقق فيها الحزب فوزًا لافتًا في مدن كبرى مثل إسطنبول وأنقرة.
ومنذ ذلك الحين، شهدت الساحة السياسية سلسلة تحقيقات استهدفت رؤساء بلديات ومسؤولين محليين من المعارضة، غالبًا بتهم فساد يعتبرها منتقدون ذات دوافع سياسية. كما أبطلت المحاكم نتائج مؤتمرات حزبية، وتم تعيين أوصياء في عدد من البلديات.
وتفاقمت هذه الضغوط مع اعتقال إمام أوغلو، ما عزز اتهامات المعارضة بوجود استراتيجية ممنهجة لإضعاف نفوذها المحلي ودفع مسؤوليها إلى الانشقاق، في ظل انتقال أكثر من 60 رئيس بلدية إلى صفوف الحزب الحاكم خلال العامين الماضيين.
مشهد مزدوج بين الشعبية والقدرة على الحكم
تعكس نتائج الاستطلاع مفارقة لافتة في المشهد السياسي التركي: فبينما تواصل شخصيات المعارضة تحقيق نسب تأييد مرتفعة، يحتفظ أردوغان بتفوق نسبي في القضايا المرتبطة بالأمن القومي والسياسة الخارجية.
هذا التباين قد يلعب دورًا حاسمًا في الاستحقاقات المقبلة، حيث لا يقتصر التنافس على الشعبية العامة، بل يمتد إلى ثقة الناخبين في القدرة على إدارة الأزمات، خاصة في بيئة إقليمية مضطربة.

