يرى الكاتب الصحفي المتخصص في قضايا المجتمع والسينما نديم حذار أن بعض أكثر اللحظات خطورة في التاريخ لا تنبع من قوة الطغاة وحدهم، بل من الصمت المحيط بهم، ومن ثقافة الطاعة العمياء التي تشلّ القرار وتحول الخوف إلى نظام حكم غير معلن.
هذا المدخل الفكري، الذي يستحضره حذار من التاريخ والسينما، يضعه في سياق حدث أمني معاصر هزّ العاصمة التركية مؤخرًا.
الطاعة كآلية للشر: من محكمة القدس إلى نظرية “تفاهة الشر”
يستعيد نديم حذار محاكمة الضابط النازي السابق أدولف أيخمان في القدس عام 1961، بوصفها إحدى أكثر المحطات كاشفية لطبيعة الشر داخل الأنظمة الشمولية. أيخمان، الذي نُقل سرًا من الأرجنتين إلى إسرائيل، وُضع خلف قفص زجاجي مضاد للرصاص، وواجه شهادات أكثر من مئة شاهد وآلاف الوثائق التي أثبتت دوره المركزي في تنظيم الإبادة المنهجية لملايين اليهود.
ورغم ثقل الجرائم، لم ينكر أيخمان الوقائع، بل لجأ إلى دفاع واحد متكرر: تنفيذ الأوامر. هذا الدفاع، الذي حاول من خلاله نقل المسؤولية إلى البيروقراطية وسلسلة القيادة، تحوّل لاحقًا إلى محور أطروحة الفيلسوفة حنة آرنت في كتابها الشهير “تفاهة الشر”.
ويشير حذار إلى أن آرنت لم ترَ في أيخمان شيطانًا استثنائيًا، بل موظفًا عاديًا عطّل التفكير الأخلاقي، وحوّل الجريمة إلى إجراء إداري روتيني.
ستالين والسينما: حين يقتل الخوف صاحبه
ينتقل الكاتب إلى السينما، وتحديدًا إلى فيلم “موت ستالين” للمخرج أرماندو يانوتشي، بوصفه نموذجًا ساخرًا لكنه كاشف لجوهر الأنظمة القائمة على الرعب. الفيلم، الذي يتناول الساعات الأخيرة من حياة الديكتاتور السوفيتي جوزيف ستالين عام 1953، يصوّر كيف يتحول الخوف من الزعيم إلى عائق يمنع حتى إنقاذه.
في أحد أكثر مشاهد الفيلم تأثيرًا، يُصاب ستالين بجلطة دماغية ويسقط أرضًا في مقر إقامته. الحراس يلاحظون غيابه لساعات طويلة، لكنهم لا يجرؤون على دخول الغرفة دون أمر مباشر، لأن مجرد الاقتحام قد يعني الإعدام. وعندما يُعثر عليه أخيرًا، يكون غارقًا في بوله، بلا مساعدة، بينما يتردد المحيطون به في استدعاء الأطباء، الذين كان معظمهم قد أُعدم أو نُفي سابقًا بأوامره.
بالنسبة لحذار، هذا المشهد ليس مجرد هزل سينمائي، بل استعارة دقيقة لكيفية تحول الطاعة إلى بنية قاتلة، حتى لصاحب السلطة نفسه.
من الكرملين إلى أنقرة: الطائرة المسيّرة كاختبار للنظام
على هذا الأساس الفكري، يربط نديم حذار بين التاريخ والسينما، وبين حادثة أمنية معاصرة تمثلت في اختراق طائرة مسيّرة المجال الجوي التركي ووصولها إلى محيط العاصمة أنقرة.
وينقل حذار ما صرّح به زعيم حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزيل، الذي كشف أن الطائرة المسيّرة جرى رصدها وتتبعها من قبل قيادة تابعة لحلف شمال الأطلسي في إسبانيا قبل دخولها الأجواء التركية، وأن عملية المتابعة استمرت عبر رادارات الناتو داخل تركيا، بمشاركة مقاتلات إف-16 أقلعت من قواعد مختلفة، قبل إسقاط المسيّرة لاحقًا.
لكن المثير في الرواية، كما يلاحظ حذار، هو أن عملية الإسقاط تأخرت لساعات، رغم أن الطائرة كانت داخل المجال الجوي التركي وتحت المراقبة المستمرة.
الخوف من القرار: حين يتعطل النظام بانتظار الزعيم
يذهب نديم حذار إلى أن سبب التأخير لم يكن تقنيًا، بل سياسيًا–نفسانيًا. فبحسب تحليله، فإن التجربة السابقة المتمثلة في إسقاط طائرة روسية وما تبعها من أزمة حادة مع موسكو، خلقت حالة من الشلل داخل دوائر القرار. لم يكن أحد مستعدًا لتحمّل مسؤولية إسقاط طائرة أخرى دون توجيه مباشر من رأس السلطة.
ويضيف حذار أن المشكلة لا تكمن في الطائرة المسيّرة ذاتها، بل في غياب الجرأة المؤسسية. فالنظام، كما يراه، بات غير قادر على اتخاذ قرارات سيادية بديهية دون العودة إلى شخص واحد، حتى لو كان ذلك الشخص نائمًا. وهنا يستحضر الكاتب عبارة أيخمان الشهيرة: “لو علم الفوهرر بما نفعل، لوافق عليه”.
الطاعة حين تتحول إلى تهديد للأمن القومي
في قراءة حذار، فإن أخطر ما كشفته حادثة الطائرة المسيّرة ليس الاختراق الجوي، بل مناخ الخوف الذي جعل مؤسسات كاملة تتردد في أداء وظيفتها الطبيعية. ويخلص إلى أن الطاعة، عندما تُقدَّم بوصفها فضيلة مطلقة، تتحول إلى أداة تدمير ذاتي، تمامًا كما حدث في الأنظمة الشمولية التي درسها التاريخ، وصوّرتها السينما، وحاكمتها الذاكرة الإنسانية.

