تشهد تركيا موجة جديدة من الإجراءات الأمنية المرتبطة بملف حركة الخدمة، حيث نفذت السلطات عمليات توقيف واسعة طالت عشرات الأشخاص، على خلفية اتهامات تتعلق بتقديم مساعدات إنسانية خلال شهر رمضان لعائلات متضررة من الحملات السابقة.
مداهمات فجراً واعتقالات واسعة النطاق
بحسب ما أورده مركز ستوكهولم للحرية السويدي، قامت قوات الأمن التركية باعتقال 42 شخصاً، غالبيتهم من النساء، في عمليات دهم متزامنة جرت في ست ولايات.
التحقيق، الذي يتخذ من ولاية مانيسا مركزاً له، يتركز حول مزاعم تقديم دعم مالي خلال شهر رمضان لأسر أفراد مسجونين أو مفصولين من وظائفهم بسبب صلات مزعومة بحركة الخدمة.
وتشير المعطيات إلى أن المداهمات نُفذت في ساعات الفجر، حيث قامت الشرطة بكسر أبواب بعض المنازل، في حين مُنع الموقوفون من التواصل الفوري مع محاميهم، ما يثير تساؤلات حول إجراءات الضبط القانونية.
تحقيقات متوازية وتوسّع دائرة الاستهداف
في سياق متصل، نفذت السلطات عملية أخرى قبل أيام، أسفرت عن توقيف 19 شخصاً في 13 ولاية، ضمن تحقيق منفصل يتهمهم بالاستمرار في الارتباط بالحركة.
وكانت النيابة قد أصدرت مذكرات توقيف بحق 20 شخصاً، مع استمرار الجهود للقبض على الشخص المتبقي.
تعكس هذه العمليات المتزامنة اتجاهاً واضحاً نحو توسيع نطاق الملاحقات، بحيث لم تعد تقتصر على الأفراد المتهمين مباشرة، بل امتدت لتشمل شبكات الدعم الاجتماعي والإنساني المرتبطة بهم.
الخلفية السياسية: من قضايا الفساد إلى ما بعد الانقلاب
يعود التصعيد ضد حركة الخدمة إلى ما بعد تحقيقات الفساد التي تفجرت في ديسمبر 2013، والتي طالت شخصيات بارزة، من بينها الدائرة القريبة من الرئيس رجب طيب أردوغان.
وقد اعتبر أردوغان تلك التحقيقات مؤامرة تقف وراءها الحركة، قبل أن يصنّفها رسمياً كـ“تنظيم إرهابي” في عام 2016.
تلا ذلك تصعيد غير مسبوق عقب محاولة الانقلاب في يوليو من العام نفسه، والتي حمّلت السلطات مسؤوليتها لرجل الدين الراحل فتح الله كولن، رغم نفي الحركة المتكرر لأي صلة لها بالانقلاب أو بأنشطة إرهابية.
حالة الطوارئ وتداعياتها المؤسسية
في أعقاب الانقلاب، فرضت الحكومة حالة الطوارئ التي استمرت حتى منتصف عام 2018، وشهدت تلك الفترة إصدار مراسيم استثنائية أتاحت تنفيذ عمليات فصل جماعي من الوظائف العامة دون رقابة قضائية أو برلمانية.
وقد أسفرت هذه الإجراءات عن فصل أكثر من 130 ألف موظف حكومي وإقصاء آلاف القضاة وأعضاء النيابة وتسريح عشرات الآلاف من عناصر القوات المسلحة.
وتمت هذه العمليات بناءً على اتهامات بالارتباط بتنظيمات مصنفة إرهابية، دون إتاحة مسارات طعن فعالة في كثير من الحالات.
أرقام تعكس حجم الحملة المستمرة
تشير بيانات وزارة العدل التركية إلى أن أكثر من 126 ألف شخص أُدينوا منذ عام 2016 بتهم تتعلق بالارتباط بالحركة، فيما لا يزال أكثر من 11 ألفاً رهن السجن.
كما تستمر الإجراءات القضائية بحق أكثر من 24 ألف شخص، في حين يخضع نحو 58 ألفاً لتحقيقات مستمرة، رغم مرور ما يقارب عقداً على بداية الحملة.
من الأمن إلى تجريم التضامن الاجتماعي
تكشف هذه التطورات عن تحول لافت في طبيعة الملاحقات، حيث لم تعد تقتصر على الأبعاد الأمنية المباشرة، بل امتدت إلى مجالات الدعم الإنساني والتكافل الاجتماعي، وهو ما يثير نقاشاً واسعاً حول الحدود الفاصلة بين العمل الخيري والاتهامات ذات الطابع السياسي.
كما تعكس استمرار هذه الإجراءات بعد سنوات من محاولة الانقلاب حالة من الاستدامة في السياسات الاستثنائية، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل سيادة القانون، وإمكانية إعادة التوازن بين متطلبات الأمن وضمانات الحقوق الأساسية.

