شهدت تركيا موجة توقيفات واسعة طالت ثلاثة وتسعين مفتش ضرائب من العاملين حاليًا والسابقين، ضمن عملية أمنية نُفذت بشكل متزامن في إحدى عشرة ولاية، على خلفية تحقيق يتمحور حول شبهات ارتباط بحركة الخدمة المعروفة باسم حركة كولن.
العملية انطلقت بقرار من النيابة العامة في إسطنبول، التي أصدرت مذكرات توقيف بحق أربعة وتسعين شخصًا من كوادر وزارة الخزانة والمالية، بينهم موظفون سبق فصلهم عقب حملة التطهير التي أعقبت محاولة الانقلاب الغامضة في صيف عام 2016، فيما أشارت السلطات إلى أن أحد المطلوبين يوجد خارج البلاد.
التحقيق يعتمد بصورة أساسية على ما يُعرف بملفات “الهاتف العمومي”، وهي آلية اتهام أثارت جدلًا قانونيًا واسعًا خلال السنوات الأخيرة، إذ تستند إلى سجلات مكالمات صادرة من أكشاك وهواتف عامة دون امتلاك مضمون الاتصالات نفسها.
منهجية “الهاتف العمومي”: قرينة اتصال بلا مضمون
بحسب رواية الادعاء، فإن أحد الأشخاص المنتمين إلى حركة كولن كان يستخدم هاتفًا عموميًا لإجراء مكالمات متتالية لأشخاص يشتبه بانتمائهم إلى الشبكة التنظيمية. ووفق هذه الفرضية، يُفترض أن الأرقام التي جرى الاتصال بها قبل المكالمة الأساسية أو بعدها مباشرة قد تعود أيضًا إلى أشخاص ذوي صلة بالحركة.
غير أن السلطات لا تملك تسجيلات لمحتوى المكالمات محل الشبهة، ما يعني أن الاشتباه يقوم حصريًا على تسلسل الاتصالات وتوقيتها، وليس على مضمونها. كما يتضمن ملف القضية شهادات شهود تتحدث عن عضوية المشتبه بهم في الحركة، وفق بيان النيابة.
خلفية سياسية ممتدة منذ 2013
تعود جذور المواجهة بين الحكومة التركية وحركة كولن إلى تحقيقات الفساد التي اندلعت في السابع عشر والخامس والعشرين من ديسمبر عام 2013، والتي طالت الدائرة المقربة من رئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان وعددًا من أفراد عائلته. أردوغان وصف تلك التحقيقات بأنها محاولة انقلاب قضائي دبّرها أنصار الحركة داخل مؤسسات الدولة.
بعد ذلك بعامين، صُنفت الحركة رسميًا منظمة إرهابية في مايو 2016، قبل أن تتصاعد الحملة ضدها بصورة غير مسبوقة عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو من العام نفسه، والتي اتهمت الحكومة ملهم الحركة الراحل فتح الله كولن بالوقوف وراءها. الحركة نفت باستمرار أي صلة لها بالانقلاب أو بأي نشاط إرهابي.
أرقام تعكس اتساع نطاق الملاحقات
المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة العدل تشير إلى أن أكثر من مئة وستة وعشرين ألف شخص أُدينوا بتهم تتعلق بالارتباط بالحركة منذ عام 2016، ولا يزال أحد عشر ألفًا وخمسة وثمانون منهم رهن الاحتجاز. كما تستمر الإجراءات القضائية بحق أكثر من أربعة وعشرين ألف شخص، في حين يبقى نحو ثمانية وخمسين ألفًا تحت التحقيق النشط، بعد مرور قرابة عقد على بدء الحملة.
إلى جانب من صدرت بحقهم أحكام بالسجن، اضطر عدد كبير من المنتمين أو المشتبه بانتمائهم إلى الحركة إلى مغادرة البلاد تفاديًا للملاحقة القضائية، ما أوجد جاليات معارضة في الخارج تنشط في توثيق ما تعتبره انتهاكات ممنهجة.
جهاز الدولة تحت التدقيق المستمر
استهداف مفتشي الضرائب، وهم من الفئات الحساسة داخل البنية الإدارية، يعكس استمرار عمليات الفحص الأمني داخل مؤسسات الدولة، خصوصًا في القطاعات المالية والرقابية. كما يؤكد أن ما يُعرف بملفات “الهاتف العمومي” لا يزال أداة مركزية في توسيع نطاق التحقيقات، رغم الانتقادات الحقوقية التي تشكك في كفاية هذا النوع من الأدلة لإثبات الانتماء التنظيمي.
الحملة الجديدة تأتي في سياق مناخ سياسي لم يشهد تهدئة حقيقية في هذا الملف، حيث تواصل السلطات تأكيدها على اجتثاث ما تصفه بالبنية الموازية داخل مؤسسات الدولة، بينما ترفض الحركة الاتهامات وتعتبرها ذات طابع سياسي.
خلاصة
توقيف ثلاثة وتسعين مفتش ضرائب في إحدى عشرة ولاية يسلط الضوء مجددًا على استمرار التحقيقات المرتبطة بحركة كولن داخل مؤسسات الدولة التركية. الاعتماد على سجلات الهواتف العمومية كدليل رئيسي يعيد إلى الواجهة الجدل القانوني حول معايير الإثبات وحدود المسؤولية الجنائية.

