في تطور سياسي يحمل دلالات عميقة داخل المشهد التركي، دعا زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي إلى نقاش علني بشأن الوضع القانوني لزعيم حزب العمال الكردستاني المسجون عبد الله أوجلان، في سياق المبادرة السياسية الجارية التي أعقبت إعلان الحزب حلّ نفسه.
تصريحات بهتشلي، المعروف تاريخياً بتشدده القومي وتحالفه الوثيق مع الرئيس رجب طيب أردوغان، تمثل انعطافة غير مألوفة في خطاب التيار القومي المتشدد، وتطرح تساؤلات مباشرة حول مستقبل أوجلان القانوني بعد دعوته في فبراير 2025 إلى إلقاء السلاح وحل التنظيم.
من دعوة السجن إلى حل التنظيم
في السابع والعشرين من فبراير 2025، وجّه أوجلان من محبسه في جزيرة إمرالي دعوة علنية لحزب العمال الكردستاني لإلقاء السلاح وحل نفسه، واصفاً ذلك بخطوة نحو مسار سياسي جديد. وفي مايو من العام نفسه أعلن الحزب إنهاء نشاطه المسلح بعد أربعة عقود من النزاع الذي أودى بحياة أكثر من أربعين ألف شخص منذ عام 1984.
بهتشلي وصف تلك الدعوة بأنها “عتبة ديمقراطية”، معتبراً أنها تخدم هدف “تركيا خالية من الإرهاب”، لكنه طرح سؤالاً مباشراً: كيف سيتم التعامل مع الوضع القانوني لشخص يقضي عقوبة السجن المؤبد المشدد في إطار هذا التحول؟
أوجلان، البالغ من العمر ستة وسبعين عاماً، محتجز منذ عام 1999 ويقضي حكماً بالسجن المؤبد المشدد، وهو بديل عن عقوبة الإعدام في القانون التركي. وبموجب التشريعات الحالية، لا يحق للمحكومين بالمؤبد المشدد في قضايا تمس أمن الدولة الاستفادة من الإفراج المشروط تحت أي ظرف.
لجنة برلمانية بلا صلاحيات تنفيذية
تزامنت تصريحات بهتشلي مع إنهاء لجنة برلمانية، مكلفة بدفع مسار التسوية، مسودة تقرير يتضمن إصلاحات قانونية مرتبطة بالمرحلة الجديدة.
التقرير يقترح تعديلات على تشريعات مكافحة الإرهاب، وآليات لإعادة إدماج المقاتلين السابقين، وإنهاء نظام تعيين الأوصياء الحكوميين بدل رؤساء البلديات المنتخبين، وهو النظام الذي طال بلديات ذات غالبية كردية. كما ينص على أنه في حال عزل رئيس بلدية، يتم انتخاب بديل عبر المجلس البلدي لا تعيينه من الحكومة المركزية.
ورغم أن التقرير لا يتطرق صراحة إلى إطلاق سراح أوجلان ولا يستخدم مصطلح “الحق في الأمل”، إلا أنه يشير إلى أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة الدستورية التركية المتعلقة بتنفيذ العقوبات. ويرى خبراء قانونيون أن هذه الإشارات تمس ضمناً مبدأ “الحق في الأمل”، الذي يقتضي منح المحكومين بالمؤبد فرصة واقعية لمراجعة العقوبة بعد مدة زمنية معينة.
غير أن اللجنة نفسها تفتقر إلى صلاحيات تنفيذية أو آليات رقابة مستقلة، ما يثير تساؤلات حول مدى قدرتها على ترجمة المقترحات إلى تشريعات نافذة، خاصة في ظل ارتباط العملية بحسابات سياسية أوسع.
الحزب الكردي يطالب بضمانات قانونية
في موازاة ذلك، شددت الرئيسة المشاركة لحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب تولاي حاتموغولاري على ضرورة الاعتراف القانوني بوضع أوجلان وتأمينه ضمن إطار تشريعي واضح، معتبرة أن السلام الدائم يتطلب خطوات ملموسة من الدولة لا تقتصر على الخطاب السياسي.
الحزب يرى أن الحركة الكردية أوفت بالتزاماتها عبر إعلان التخلي عن السلاح وتغليب العمل السياسي الديمقراطي، وأن الكرة باتت في ملعب الدولة لتقديم إصلاحات حقيقية.
وقد أجرى وفد من الحزب عدة لقاءات مع أوجلان في إمرالي، كان آخرها في السادس عشر من فبراير، قبيل إنهاء اللجنة البرلمانية مسودتها.
“الأحمدان” وملف الأوصياء
بهتشلي أثار أيضاً مسألة رؤساء البلديات المعزولين، مشيراً إلى ضرورة إعادة النظر في وضع كل من أحمد تورك، رئيس بلدية ماردين الكبرى عن حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، وأحمد أوزر، رئيس بلدية إسنيورت عن حزب الشعب الجمهوري المعارض.
ووصفهما بـ“الأحمدين”، داعياً إلى السماح لهما بالعودة إلى منصبيهما ضمن إطار ديمقراطي.
تورك، الذي حضر اجتماع كتلته البرلمانية لاحقاً، رد بأن الرأي العام ينتظر خطوات عملية لا رمزية، في إشارة إلى أن أي تسوية لن تكتمل من دون معالجة جذرية لملف الوصاية الإدارية.
الخلفية السياسية: تحالفات وانتخابات
تعود جذور المبادرة الحالية إلى أكتوبر 2024، حين صافح بهتشلي نواب حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب في البرلمان، واقترح السماح لأوجلان بإلقاء كلمة أمام المجلس، في خطوة اعتُبرت إشارة إلى استعداد السلطة لمحاولة جديدة بعد فشل عملية السلام السابقة التي انهارت عام 2015.
غير أن مراقبين يرون أن المسار الحالي لا ينفصل عن الحسابات السياسية للرئيس أردوغان، خصوصاً في ظل حاجته إلى دعم برلماني إضافي إذا أراد تعديل القيود الدستورية التي تحد من ولايته الرئاسية بعد 2028.
بذلك، يصبح ملف أوجلان ونظام البلديات والأطر القانونية لمكافحة الإرهاب عناصر متشابكة في معادلة سياسية أوسع، يتقاطع فيها السعي إلى إنهاء نزاع تاريخي مع ضرورات إعادة ترتيب المشهد الداخلي.
إثارة بهتشلي مسألة الوضع القانوني لأوجلان تعكس إدراكاً بأن أي عملية سلام حقيقية لا يمكن أن تتجاوز موقع الشخصية الأكثر تأثيراً في المسار الكردي المسلح. لكن الانتقال من الخطاب إلى التشريع يظل رهناً بتوازنات دقيقة بين التيار القومي، والتحالف الحاكم، والمعارضة، إضافة إلى الضغوط الحقوقية الأوروبية.
إن إنهاء أربعة عقود من الصراع لا يتطلب فقط حل تنظيم مسلح، بل إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع الكردي ضمن إطار قانوني مستدام، وهو اختبار سياسي وقانوني قد يعيد تشكيل المشهد التركي لسنوات مقبلة.
الخلاصة
دعوة دولت بهتشلي إلى مناقشة الوضع القانوني لعبد الله أوجلان تمثل تحولاً لافتاً في الخطاب القومي، لكنها تفتح مساراً سياسياً معقداً يرتبط بالإصلاحات القانونية وحسابات السلطة. نجاح المبادرة مرهون بترجمة الوعود إلى تشريعات ملموسة تضمن استدامة السلام.

