أصدرت محكمة الجنايات العليا الثانية في ولاية أضنة جنوب تركيا حكمًا بالسجن لمدة سبع سنوات ونصف بحق رجل تركي، على خلفية اتهامه بتقديم مساعدات مالية لعائلات أشخاص يقبعون في السجون أو فقدوا وظائفهم بسبب اتهامهم بالانتماء إلى حركة كولن.
المدان، الذي أشير إليه بالأحرف الأولى من اسمه (Ö.T.)، لم يُحتجز احتياطيًا خلال سير المحاكمة، كما أن المحكمة، رغم الإدانة، لم تصدر قرارًا فوريًا بتوقيفه بعد النطق بالحكم.
تفاصيل الاتهام والمسار القضائي
وفق ما ورد في لائحة الاتهام ومرافعات الادعاء، فإن Ö.T. تلقّى مبلغًا يقارب 62 ألف ليرة تركية في حسابه المصرفي من شخص مُدرج في السجلات الرسمية باعتباره مرتبطًا بحركة الخدمة.
وترى النيابة أن المتهم قام لاحقًا بتحويل هذه الأموال إلى عائلات سجناء ومفصولين من وظائفهم في إطار حملات التطهير التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016.
الادعاء عزز موقفه بشهادات قُدّمت للمحكمة، زُعم فيها أن المتهم كان على تواصل مستمر مع أشخاص مصنفين على صلة بالحركة، وأنه شارك في اجتماعات خاصة.
في المقابل، نفى Ö.T. بشكل قاطع هذه الادعاءات، مؤكدًا أنه لا يشغل أي دور تنظيمي، ولم يقدم دعمًا ماليًا بدافع الانتماء أو العمل المنظم، إلا أن المحكمة انتهت إلى إدانته.
السياق السياسي والأمني الأوسع
يأتي هذا الحكم في إطار سياسة ممتدة تتبعها السلطات التركية منذ سنوات ضد حركة كولن، التي يتهمها الرئيس رجب طيب أردوغان بتدبير محاولة الانقلاب في يوليو/تموز 2016.
التصعيد ضد الحركة لم يبدأ مع الانقلاب فحسب، بل يعود إلى ديسمبر/كانون الأول 2013، حين طالت تحقيقات فساد شخصيات مقربة من أردوغان وأفرادًا من عائلته ودائرته السياسية، وهي التحقيقات التي وصفها لاحقًا بأنها “انقلاب قضائي” تقف خلفه الحركة.
في مايو/أيار 2016، صنّفت الحكومة التركية حركة كولن رسميًا كمنظمة إرهابية، لتتسع بعدها حملة الاعتقالات والفصل من الوظائف بشكل غير مسبوق، مستهدفة عشرات الآلاف من القضاة والمعلمين والضباط والموظفين العموميين، عبر مراسيم طوارئ.
تجريم المساعدة الإنسانية
القضية تعكس نهجًا قضائيًا بات شائعًا في تركيا بعد 2016، حيث تُدرج أفعال مثل التبرعات أو تقديم الدعم لعائلات السجناء ضمن خانة “الدعم التنظيمي”.
محامون ونشطاء حقوقيون يشيرون إلى أن القضاء اعتمد في العديد من القضايا على تحويلات مالية، وسجلات اتصالات، وشهادات شهود، أو ادعاءات حضور تجمعات خاصة، دون إثباتات مباشرة على ممارسة نشاط عنيف أو تخطيطي.
وتؤكد منظمات حقوقية أن آلاف القضايا المشابهة أسست لما تصفه بـ”تجريم التضامن الاجتماعي”، محذرة من أن هذا النهج لا يكتفي بملاحقة المتهمين أنفسهم، بل يضاعف المعاناة الاقتصادية والاجتماعية لعائلاتهم، التي غالبًا ما تُحرم من العمل، وجوازات السفر، وفرص الانتقال أو الاستقرار.
استمرار الضغط القضائي
رغم مرور سنوات على محاولة الانقلاب، ما تزال المحاكم التركية تصدر أحكامًا بحق أشخاص على خلفية علاقات مالية أو اجتماعية سابقة، بما في ذلك بحق من أنهوا بالفعل فترات سجنهم أو يخضعون للمحاكمة وهم طلقاء تحت الرقابة القضائية.
منتقدو هذا المسار يرون أن كثيرًا من الأحكام تستند إلى منطق “الذنب بالارتباط”، بدلًا من أدلة ملموسة على نشاط إرهابي فعلي، وهو ما يثير تساؤلات مستمرة حول استقلال القضاء ومعايير المحاكمة العادلة.
خلاصة
يعكس الحكم الصادر في أضنة استمرار توسيع تعريف “الدعم الإرهابي” في تركيا ليشمل المساعدات الإنسانية والمالية لعائلات المتضررين من حملات ما بعد الانقلاب. وفي ظل غياب مؤشرات على تخفيف هذا النهج، تبقى القضايا المرتبطة بحركة كولن عنوانًا بارزًا للتوتر بين المقاربة الأمنية للدولة والانتقادات الحقوقية المتصاعدة.

