يشهد المشهد اللبناني ـ الإسرائيلي توتراً متصاعداً عقب اغتيال القيادي البارز في حزب الله هيثم علي الطبطبائي (أبو علي) في غارة إسرائيلية استهدفت مبنى في حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت.
الضربة شكلت تحولاً نوعياً في مسار المواجهة، حيث يعد الطبطبائي أعلى شخصية عسكرية في الحزب تُقتل منذ وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب المفتوحة في نوفمبر من العام الماضي.
نعيم قاسم: اعتراف بالاختراق وتأكيد على الحق بالرد
في كلمة تأبينية، وصف الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم عملية الاغتيال بـ«الاعتداء السافر»، مشدداً على أن الرد «حق ثابت» سيتم تحديد توقيته «وفق مقتضيات الميدان». لكن اللافت في خطابه لم يكن التهديد المعتاد، بل إقراره الواضح بوجود اختراق أمني داخل الحزب بعد اعتقال «شبكة من العملاء»، وهو اعتراف نادر يعكس حجم الضغوط الأمنية التي تكبّل الحركة العسكرية للحزب.
قاسم أشار إلى أن إسرائيل تعمل «بارتياح» داخل الساحة اللبنانية بفعل النفوذ الاستخباراتي الأجنبي واتساع البيئة الأمنية المعقدة، لافتاً إلى أن معالجة الثغرات باتت «ضرورة وجودية».
الطبطبائي: قائد المعارك ومستودع الخبرة
ووفق السيرة التي عرضها الحزب، حمل الطبطبائي إرثاً عسكرياً واسعاً في لبنان وسوريا واليمن، وتولى بعد حرب «أولي البأس» منصب «القيادة العسكرية في المقاومة الإسلامية». وقد اعتُبر العقل المنظم لمعارك الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما جعل اغتياله ضربة مباشرة للمستويات العليا للقيادة العملياتية.
القصف الذي أرداه قتيلاً لم يقتصر عليه، بل طال أربعة من معاونيه الذين كانوا في اجتماع «لتحضير العمل القادم»، ما يشير إلى نجاح استخباري إسرائيلي في اختراق دائرة عملياتية ضيقة.
معركة “أولي البأس”: إرهاق استراتيجي لا يزال مستمراً
أعاد قاسم التذكير بأن الطبطبائي قاد «معركة أولي البأس»، وهي المواجهة التي انطلقت بعد الثامن من أكتوبر دعماً لحماس في غزة، قبل أن تتحول في خريف العام التالي إلى حرب مرهقة خسر خلالها الحزب نخبة من قياداته وبنية عسكرية واسعة.
ورغم اتفاق وقف النار الهش برعاية أميركية، تواصل إسرائيل ضرب مواقع الحزب في الجنوب، فيما تمنح الحكومة الإسرائيلية لبنان مهلة تنتهي في نهاية العام الحالي لنزع سلاح حزب الله، وهو مطلب يلقى دعماً أميركياً متزايداً وضغطاً مباشراً على الجيش اللبناني لتسريع العملية.
تشكيك بقدرة الحزب على الرد
يرى مراقبون أن قدرة حزب الله على تنفيذ رد محسوب وفعّال باتت محل تساؤل، في ظل الإنهاك العسكري والخسائر القيادية والضغوط الدولية والإقليمية. ويذهب هؤلاء إلى أن تصريحات قاسم موجهة أساساً إلى القاعدة الشعبية للحزب التي تطالب بتثبيت «حق الثأر»، في وقت يعمل الحزب على إعادة ترتيب منظومته الأمنية والعسكرية بعد الضربة الأخيرة.
الدعم الإيراني وتحويل الاغتيال إلى مفصل استراتيجي
في المقابل، سجّل الحرس الثوري الإيراني موقفاً صريحاً بدعوة «محور المقاومة» إلى الثأر، بما يعكس رغبة طهران في منع الاغتيال من التحول إلى بداية مرحلة تراجع في بنية المحور، خاصة بعد خسارة الحزب أمينه العام السابق حسن نصر الله وقادة الصف الأول خلال الحرب الماضية.
بين التهديد والواقع: معادلة الرد المعلّق
تبدو معادلة الرد التي تحدث عنها نعيم قاسم محكومة بتوازن معقد بين الرغبة في تثبيت الردع والخشية من الانزلاق إلى مواجهة واسعة لا يملك الحزب حالياً القدرة على إدارتها بالشروط السابقة. وفي ظل استمرار الضربات الإسرائيلية واشتداد الضغط الأميركي، يظهر أن الحزب يسعى إلى اختيار توقيت ومعادلة لا تخلّ بتوازناته الداخلية ولا تمنح إسرائيل ذريعة لفتح حرب جديدة.

