تبدو الحرب الدائرة حول إيران اليوم، في جوهرها، معركة مركّبة يتداخل فيها مصير النظام الإيراني مع أمن الطاقة العالمي ومحاولة الولايات المتحدة تطويق الصعود الصيني عبر خنق شرايين النفط القادمة من الخليج نحو الشرق الأقصى. وفي هذا السياق يقدّم الكاتب الصحفي والمحلل السياسي التركي أمره أوسلو، الذي عمل سابقا أستاذا في أكاديمية الشرطة التركية، قراءة يعتبر فيها أن واشنطن لا تسعى فقط لمعاقبة طهران، بل لإعادة رسم خريطة ممرات الطاقة بما يضمن إدخال النفط الإيراني تحت إدارة أمريكية غير مباشرة، واستخدام ذلك كورقة تفاوض حاسمة مع الصين.
أولا: أهداف واشنطن كما يراها أمره أوسلو
ربط تغيير النظام في إيران بأمن الطاقة العالمي
يرى أمره أوسلو أن الهدف المركزي للولايات المتحدة هو دفع إيران إلى تغيير عميق في بنية النظام، أو على الأقل إخضاعه لشروط استراتيجية أمريكية، بحيث تنتقل السيطرة الفعلية على النفط الإيراني – خاصة المتجه إلى الصين – إلى نطاق النفوذ الأمريكي. وبحسب تحليله، لا يعني ذلك بالضرورة وقف تصدير النفط إلى بكين، بل جعله يمر عبر صنبور تتحكم فيه واشنطن، لتتمكن من إبطاء أو تسريع تدفق الطاقة بما يخدم سياسة احتواء الصين والمساومة معها في ملفات أوسع من الملف النووي الإيراني.
ويشير أوسلو إلى أن هذه الرؤية كانت تتبلور لديه منذ مطلع العام، قبل أن تتحول فكرة ضرب إيران وممرات نفطها إلى موضوع متداول على نطاق واسع في دوائر التحليل الدولية، وهو ما يعتبره دليلا على أن فهم أهداف الفاعلين وسلوكهم يسمح بالتنبؤ المسبق بمسار الأحداث.
من “الضغط الأقصى” إلى “قطع الشريان”
في قراءته للمشهد الأوسع، يربط أوسلو بين الحملة العسكرية الراهنة وبين مسار تصاعدي في سياسة إدارة الرئيس دونالد ترامب تجاه إيران، مشيرًا إلى أن المرحلة انتقلت من منطق العقوبات القصوى إلى استهداف البنية التحتية لصادرات النفط وفرض أثمان عالية على الدول المتعاملة مع طهران – وعلى رأسها الصين – عبر رسوم جمركية عقابية. ويعتبر أن هذا التحول من “الضغط” إلى “القطع” يهدف إلى خلق فراغ في سوق الطاقة يضع الصين أمام خيارات أصعب، ويدفعها إلى مساومات قاسية مع واشنطن أو إلى ارتماء أعمق في أحضان روسيا، بما يفتح الباب لصراع نفوذ طويل في آسيا الوسطى وممرات الطاقة البديلة.
ثانيا: تعريف الحرب وميزان القدرات من منظور أوسلو
الحرب كأداة لفرض ما عجزت عنه الدبلوماسية
يصرّ أمره أوسلو على تعريف الحرب بوصفها وسيلة لانتزاع نتائج تعذر تحقيقها بالسياسة والدبلوماسية، أي “استخدام القوة لفرض ما لم يتحقق عبر التفاوض”. ومن هذا المنظور، يرى أن الولايات المتحدة تنقل الآن نزاعها مع إيران من ساحة المساومات الدبلوماسية إلى ساحة القسر العسكري، بعدما فشلت – في تقديره – في انتزاع تنازلات كافية فيما يتعلق بالبرنامج النووي، والسياسة الإقليمية، ومسارات الطاقة المتجهة إلى الصين.
القدرات الأمريكية: تفوق ساحق في الجو والبحر
يقدّم أوسلو قراءة حاسمة لميزان القوى، مفادها أن الولايات المتحدة قادرة على استهداف إيران جوّا بشكل مستمر وعلى مدى طويل، من دون أن تخشى ردا نوعيا يغيّر قواعد اللعبة. ويستشهد بنقاشات أكاديمية مثل أعمال جون ميرشايمر وروبرت بيب التي تشكك في قدرة القوة الجوية وحدها على إسقاط نظام راسخ، لكنه يذهب باتجاه مغاير، معتبرا أن خصوصية الحالة الإيرانية – من حيث هشاشة شرعية النظام بين شرائح واسعة من الشباب، وتراكم موجات الاحتجاج في السنوات الأخيرة – تجعل من القصف الجوي المركَّز، إذا تزامن مع تحركات داخلية قومية وقومية-إثنية (كردية، أذرية، بلوشية)، عاملا يمكن أن يقود إلى تآكل فعلي في قدرة النظام على الصمود.
ويضيف أن واشنطن، من خلال الضربات البحرية والجوية، تمكنت – في رؤيته – من إضعاف كبير للقدرات البحرية الإيرانية، حتى وصلت إلى ملاحقة سفن حربية إيرانية بعيدا عن الخليج واستهدافها، ما يترك إيران مع أدوات أقل كفاءة، من قبيل الهجمات غير المتناظرة والأذرع الوكيلة.
ثالثا: استراتيجية إيران كما يصفها أمره أوسلو
إطالة أمد الحرب لزعزعة الاقتصاد العالمي
في المقابل، يقدّر أوسلو أن القيادة الإيرانية تتعمد إبقاء مستوى الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة “تحت سقف معيّن”، ليس لعجز تقني فحسب، بل باعتباره خيارا استراتيجيا يهدف إلى إطالة أمد التوتر بالقدر الكافي لإرباك أسواق الطاقة العالمية وإلحاق أذى تدريجي بالاقتصاد الدولي، وبالتالي دفع القوى الكبرى – بما فيها أوروبا والصين – للضغط على واشنطن من أجل تقليل حجم العمليات العسكرية أو التوصل إلى تسوية سياسية تحفظ للنظام هامشا من البقاء.
من هذا المنظور، كل صاروخ أو مسيّرة تطلق من الأراضي الإيرانية باتجاه قواعد أمريكية أو منشآت خليجية، في نظره، هو رسالة مزدوجة: استمرار قدرة النظام على الفعل، وإصراره على ربط مصيره بمصير استقرار سوق الطاقة العالمي.
الرهان على هرمز: سلاح بلا بديل
يعتبر أوسلو أن السلاح الأكثر حسما بين يدي طهران هو تهديدها المستمر بإغلاق مضيق هرمز أو تعطيل حركة السفن فيه، وهو ممر يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية، ونسبة عالية من واردات الغاز إلى أوروبا، ما يجعل أي تعطيل طويل الأمد هناك بمثابة هزة عنيفة لأسعار الطاقة والاقتصاد العالمي. وفي تحليله التفصيلي للمضيق، يوضح أن عنق الزجاجة البحري ضيّق، وأن السفن التجارية تمر ضمن ممر بحري محدود، ما يجعل استهدافه بالصواريخ والألغام والزوارق السريعة أمرا قادرا على تعطيل الإمدادات، حتى بعد تدمير جزء كبير من القوة البحرية التقليدية الإيرانية.
غير أن أوسلو يربط هذا الرهان بمحدودية واضحة: فإيران، بعد فقدانها جزءا مهما من قدراتها الجوية والبحرية، تظل قادرة على عرقلة الملاحة عبر تكتيكات غير متناظرة، لكن هذا السلاح لا يمكنها استخدامه إلى ما لا نهاية، إذ تتوقع أن تسعى واشنطن إلى إنتاج وقائع جديدة على الأرض تقلص قدرة طهران على التحكم بالمضيق.
رابعا: سيناريو الميدان البحري – البري كما يرسمه أوسلو
السيطرة على بندر عباس وجغرافيا المضيق
يرسم أمره أوسلو خريطة تفصيلية لمنطقة مضيق هرمز، مميّزا بين الساحل الإيراني، ومدخل خليج عمان، والممرات الضيقة التي تعبر منها ناقلات النفط والغاز. ويرى أن المدينة الساحلية الإيرانية بندر عباس، وبعض الجزر والموانئ القريبة، تمثل العقدة الجغرافية التي يجب أن تُنتزع من يد النظام – بشكل مباشر أو عبر قوى وكيلة – إذا أرادت الولايات المتحدة تأمين حرية الملاحة بشكل مستدام.
وفق هذا التصور، يتوقع أوسلو أن تعمل واشنطن على إيجاد ترتيبات ميدانية تمكّنها أو تمكّن حلفاء محليين من تثبيت وجود عسكري في محيط بندر عباس والجزر الاستراتيجية، بعد أن تُشغل طهران في جبهات داخلية أخرى، بما في ذلك مناطق الأكراد في غرب إيران وعلى تخوم العراق.
دور الأكراد: ورقة ضغط مزدوجة
ينسب أوسلو إلى مصادر قراءته الميدانية أن تحركات أمريكية سياسية وأمنية جرت مع قيادات أكراد إيران والعراق، وأن واشنطن تراهن على إدخال أكراد إيران في مسار صدام مع قوات الحرس الثوري وميليشيات “الباسيج” في المناطق الكردية، بما يجبر طهران على تحويل جزء من قواتها البرية من جبهة هرمز إلى الجبهة الداخلية.
ويشير إلى أن إعلان بعض القوى الكردية العراقية التزامها الحياد العلني لا يغير – في تقييمه – من حقيقة أن المزاج الكردي العام يميل إلى المعسكر الأمريكي، بحكم التجربة التاريخية والعلاقة القائمة منذ حرب العراق، مما يجعل من “الجبهة الكردية” أداة ضغط حيوية في التكتيك الأمريكي لتفكيك تمركز القوة الإيرانية وإضعاف قبضتها على المضيق.
كما يربط أوسلو هذه التطورات بالمشهد التركي، معتبرا أن أنقرة تكرر – في تقديره – خطأها السابق في سوريا حين سمحت بقيام كيان كردي ذي ثقل على حدودها، وأنها اليوم، عبر خياراتها في التعامل مع الملف الإيراني، تفتح الباب أمام ترتيبات إقليمية جديدة قد تفضي إلى نوع من الكيان الكردي الممتد أو المتجاور، وإن بصيغ غير معلنة.
خامسا: سيناريوهات نهاية الحرب وفق أوسلو
سقف زمني تقريبي: من إخماد النيران إلى إعادة تشكيل الداخل
يتوقع أمره أوسلو أن المرحلة الحالية من الحرب – أي مرحلة القصف الجوي والصاروخي المتبادل على نطاق واسع – لن تستمر طويلا، ويرجح أن تُحسم خلال بضعة أسابيع، مع بقاء احتمالات الضربات المحدودة المتبادلة قائمة لفترة أطول. ومن وجهة نظره، يتحرك المخطط الأمريكي على مرحلتين.
- أولا: تحييد القدرات العسكرية الإيرانية الأكثر تهديدا للملاحة (القوة البحرية، القوة الصاروخية، منظومات الدفاع الجوي) إلى مستوى لا يسمح لطهران بفرض إغلاق مستدام لمضيق هرمز.
- ثانيا: الدفع نحو إعادة ترتيب داخلية في إيران، تتراوح بين قبول النظام الحاكم بشروط أمريكية – تتضمن إعادة فتح شرايين الطاقة تحت رقابة واشنطن – وبين انزلاق البلاد إلى مسار صراع داخلي طويل، تتعدد فيه الفواعل القومية والإثنية والمناطقية.
ويؤكد أن تحقق الهدف الأول (تأمين هرمز) لا يعني بالضرورة سقوط النظام فورا، بل إن واشنطن قد تكتفي، في المدى المنظور، بإعادة ضبط ميزان الطاقة لمصلحة استراتيجيتها تجاه الصين، تاركة مصير النظام لميزان القوى الداخلي الإيراني.
خيارا طهران: “نموذج الأسد” أو تسوية موجعة
في تقييمه لاحتمالات سلوك القيادة الإيرانية بعد فقدان جزء معتبر من قدراتها العسكرية، يرى أوسلو أن أمامها مسارين رئيسيين:
- مسار “نموذج الأسد”، أي تعميم منطق الحرب الأهلية وتقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ مليشياوية وطائفية وقومية، بهدف إطالة عمر النخبة الحاكمة عبر تحويل البلد إلى ساحة صراع مفتوحة تسهم في تعقيد أي تدخل خارجي يهدف إلى تغيير النظام.
- مسار التسوية، أي قبول وقف إطلاق نار وفتح باب تفاوض مع الولايات المتحدة وقوى دولية أخرى، على قاعدة الاعتراف بالعجز عن مواجهة التحالف الأمريكي-الإسرائيلي عسكريا، وتقديم تنازلات في ملفات النووي والصواريخ والسياسة الإقليمية والطاقة مقابل ضمانات بعدم السعي الفوري لإسقاط النظام.
لكن أوسلو يشكك في قدرة أنظمة أيديولوجية من نمط النظام الإيراني على تفضيل المنطق البراغماتي على اعتبارات بقاء “العقيدة الحاكمة”، ويستحضر سجل النظام في قمع الاحتجاجات وقتل عشرات الآلاف من المحتجين، ليدلل على أن القيادة الإيرانية قد لا تتردد في التضحية بجزء كبير من الدولة والمجتمع للحفاظ على هياكل السلطة الضيقة.
سادسا: الانعكاسات على تركيا من منظور أمره أوسلو
تركيا بين مظلة الناتو ومغامرات الداخل
يعود أمره أوسلو مرارا إلى موقع تركيا في هذا المشهد، مؤكدا – في تحليله – أن أنقرة لا تملك القدرة على حماية أجوائها وحدودها من دون مظلة حلف شمال الأطلسي، وأن كل الخطاب السياسي الداخلي الذي روّج لفكرة “الاستغناء عن الناتو” أو تعظيم قدرات الدفاع الجوي الذاتية (من خلال منظومات مثل “إس-400”) انتهى إلى كشف هشاشة البنية الدفاعية التركية أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وينتقد أوسلو، بحدة، اختيارات القيادة التركية في السنوات الماضية، من إقصاء طيارين ذوي خبرة، إلى الدخول في صفقات تسليح أضعفت العلاقة مع برامج غربية متقدمة مثل “إف-35”، معتبرا أن ذلك جعل المجال الجوي التركي يعتمد بشكل شبه كامل على شبكة الدفاع الجماعي للناتو والرادارات الغربية المنتشرة في المنطقة.
“اللعب على الحصان الخاسر”: دعم ضمني لطهران
في قراءته للموقف السياسي التركي من الحرب على إيران، يذهب أوسلو إلى أن أنقرة تحاول أن تظهر بمظهر الحليف الغربي الحذر، لكنها في الجوهر – كما يراها – تسعى إلى حماية النظام الإيراني أو على الأقل منع انهياره السريع، بدافع حسابات تتعلق ببقاء السلطة الحالية في تركيا وخشيتها من تداعيات سقوط نظام مماثل في الجوار. ويصف هذا الخيار بأنه “الرهان على الحصان الخاسر”، على غرار ما حدث – حسب تعبيره – حين راهنت القيادة التركية على خيارات معينة في سوريا عام 2012، بما سمح بقيام كيان كردي مسلح على حدودها.
كما يحذر من أن استمرار هذا النهج قد يضع تركيا في موقع المتضرر استراتيجيا، سواء من قيام ترتيبات جديدة في المناطق الكردية الإيرانية والعراقية، أو من تحول مسارات الطاقة وممراتها بطريقة تجعل أنقرة أقل مركزية في معادلة أمن الطاقة العالمي مما كانت تطمح إليه.
سابعا: الصين وروسيا في حساب أوسلو
الصين: توازن بين النفط والعقوبات
يرى أمره أوسلو أن الصين – رغم كونها الزبون الأكبر للنفط الإيراني – لا تمتلك الحرية الكاملة لدعم طهران علنا وبقوة، لأن انخراطها العسكري أو الاقتصادي الصريح إلى جانب إيران سيعرّضها لخطر عقوبات غربية واسعة تقيد صادراتها الضخمة إلى الولايات المتحدة وأوروبا. وبناء على ذلك، يرجّح أن تكتفي بكين بدعم تقني محدود أو غير مباشر، خاصة في مجالات الطائرات المسيّرة والتكنولوجيا، من دون أن تنخرط في مواجهة مفتوحة مع واشنطن من أجل إنقاذ النظام الإيراني، لأن كلفة ذلك – في تقديره – ستكون أكبر من عائده.
ويشير أوسلو إلى أن تضييق الخناق على النفط الإيراني يدفع الصين إلى تعميق اعتمادها على روسيا كمصدر بديل للطاقة، ما يعيد تشكيل علاقة القوى بين موسكو وبكين، بحيث تتحول روسيا تدريجيا إلى مزود طاقة شبه تابع للصين، في حين تعمل واشنطن على فتح جبهات تنافس جديدة في آسيا الوسطى وممرات النفط والغاز هناك.
روسيا: قدرة محدودة على حماية إيران
بالنسبة لروسيا، يلفت أوسلو إلى أنها، رغم علاقاتها الوثيقة مع طهران وتنسيقها معها في أكثر من ساحة إقليمية، ليست في موقع يسمح لها بمنع واشنطن من تنفيذ استراتيجيتها، خاصة في ظل انشغالها العسكري والاقتصادي في ملفات أخرى، وعدم استعدادها للدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة دفاعا عن إيران. ويستنتج أن الدعم الروسي والإسناد الصيني – وإن كانا عاملَيْ إطالة لعمر النظام الإيراني – لا يغيران في جوهر اختلال ميزان القوى لصالح واشنطن في هذه الجولة.
ثامنا: بنية النظام الإيراني واحتمالات التفكك الداخلي
هشاشة الشرعية وتعدد خطوط الصدع
يذكّر أمره أوسلو بأن إيران ليست دولة متجانسة، بل فسيفساء معقدة من الهويات القومية والمذهبية والمناطقية، تشمل الأكراد والأذريين والبلوش والعرب إلى جانب الكتلة الفارسية المركزية، إضافة إلى خطوط انقسام بين الأجيال وبين الريف والحضر. ويرى أن موجات الاحتجاج الضخمة التي شهدتها البلاد مؤخرا، وما رافقها – وفق تقديره – من قتلى بالآلاف، أظهرت عمق فجوة الثقة بين النظام وشرائح واسعة من المجتمع، ولا سيما الشباب والنساء.
انطلاقا من ذلك، يتوقع أن تستغل قوى دولية وإقليمية هذه الشروخ لدفع بعض المكونات – كالبلوش والأكراد وربما بعض القوى الأذرية – إلى لعب دور أكبر في الضغط على النظام، ليس بالضرورة بهدف تقسيم البلد إلى كيانات مستقلة، بل لانتزاع أشكال من الحكم الذاتي أو النفوذ المحلي تكون جزءا من ترتيبات ما بعد الحرب.
حدود التفتيت: بين رغبة إسرائيل ومصلحة واشنطن
يقرّ أوسلو بأن تفكك إيران إلى عدة كيانات قومية سيكون – من منظور إسرائيلي – مكسبا استراتيجيا، لأنه يبدد قوة خصم إقليمي كبير إلى وحدات صغيرة ضعيفة. لكنه يضيف أن هذا السيناريو لا ينسجم بالضرورة مع المصلحة الأمريكية الأوسع، لأن تقسيم إيران إلى عدة دول متنازعة سيخلق فراغا أمنيا وسياسيا عميقا في منطقة حيوية لإنتاج وتصدير النفط والغاز، ما يعرض الاقتصاد العالمي لسنوات من عدم الاستقرار.
لذلك يرجح أن تسعى واشنطن – في حال تغير النظام أو تعرضه لاهتزازات كبيرة – إلى الإبقاء على إطار دولة مركزية واحدة، مع إمكان قبول ترتيبات حكم ذاتي أو لامركزية واسعة لبعض الأقاليم، شبيهة بما حدث في العراق وسوريا بدرجات متفاوتة، بدلا من تشجيع تقسيم شامل للبلد.
تاسعا: الدروس الأوسع للنظام الدولي كما يقرأها أوسلو
انهيار “النظام القائم على القواعد” والعودة إلى منطق القوة
في قراءته الفكرية الأوسع، يربط أمره أوسلو بين هذه الحرب ومسار أعمق من تآكل النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، واستند إلى مؤسسات مثل مجلس الأمن والأمم المتحدة، حيث تمتلك القوى الخمس الكبرى حق النقض لضبط الصراعات الكبرى. ويشير إلى أن رفض إدارة ترامب الانضباط الصارم بقواعد هذا النظام – سواء في التعامل مع الملف الإيراني أو غيره – يعيد العلاقات الدولية إلى مناخ شبيه بما قبل الحربين العالميتين، حيث “القوة تصنع الحق” وتفرض التوازنات بعيدا عن المرجعيات القانونية الجماعية.
من هذا المنظور، تصبح السيطرة على موارد الطاقة وممراتها جزءا من صراع مفتوح على قيادة النظام العالمي، لا مجرد خلاف إقليمي مع دولة مارقة أو متمردة، وتتحول الحرب في إيران ومضيق هرمز إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة الولايات المتحدة على تثبيت موقعها في مواجهة صعود الصين، في زمن يتراجع فيه رصيد الشرعية القانونية والرمزية للنظام الدولي القديم.
عاشرا: موقع تركيا في خريطة ما بعد الحرب
بين فرصة تاريخية ومخاطر التهميش
يرى أمره أوسلو أن ما يجري يفتح، نظريا، نافذة فرص أمام تركيا لتكون جسرا بين آسيا الوسطى والعالم، مستفيدة من إرثها التاريخي وصلاتها بالعالم التركي في المنطقة الممتدة من أذربيجان إلى كازاخستان. غير أنه يحذر من أن سوء تقدير القيادة التركية، وخياراتها المتذبذبة بين الشرق والغرب، قد يحول هذه الفرصة إلى خطر، إذ يمكن أن تجد أنقرة نفسها خارجة من الحسابات الكبرى أو محصورة في دور أمني محدود على تخوم صراعات لا تملك قرار إدارتها.
ويشير إلى أن استمرار الحرب أو تحولها إلى صراع داخلي إيراني طويل قد ينعكس على تركيا عبر موجات لجوء، واحتمال تعرض بنى تحتية حيوية مثل خط أنابيب “باكو-جيهان” لعمليات تخريب، إضافة إلى الارتدادات الاقتصادية الناجمة عن تذبذب أسعار الطاقة، ما يفرض على أنقرة – في رأيه – إدارة دقيقة لعلاقتها مع واشنطن وطهران في آن واحد.
خلاصة
بحسب قراءة أمره أوسلو، تمثل الحرب حول إيران ومضيق هرمز حلقة مركزية في استراتيجية أمريكية أشمل لربط مصير النفط الإيراني بمشروع تطويق الصين، وإعادة رسم خريطة أمن الطاقة العالمي بالقوة الصلبة. وفي قلب هذه المعادلة، يتوقف شكل النظام الإيراني المقبل وموقع تركيا والصين وروسيا عند تقاطع معقد بين قدرة واشنطن على تثبيت سيطرتها على ممرات الطاقة، واستعداد النخب الإقليمية لقبول تسويات موجعة أو الانزلاق إلى حروب داخلية طويلة.

