في تطور جديد يعكس تصاعد التوتر بين السلطة ووسائل الإعلام المعارضة في تركيا، أعلنت الهيئة العليا للإذاعة والتلفزيون (RTÜK) عن فرض عقوبة الحجب الكامل لمدة 10 أيام على قناتي “هالك تي في” و”سوزجو تي في”، ابتداءً من 8 يوليو، وذلك بسبب تغطيتهما للاحتجاجات الشعبية التي اندلعت عقب اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو.
هذا القرار يُنظر إليه من قبل منتقدي الحكومة باعتباره حلقة جديدة في سلسلة من السياسات الهادفة إلى خنق الإعلام المستقل، والتضييق على الأصوات الناقدة مع تراجع شعبية السلطة الحاكمة وتنامي الاحتجاجات المدنية.
خلفية القرار: اتهامات بـ”التحريض على الكراهية“
بحسب ما أوردته الهيئة العليا للإذاعة والتلفزيون، فإن قرار الحجب جاء استناداً إلى مزاعم بـ”التحريض على الكراهية والعداء الاجتماعي” عبر التغطيات الحية والتعليقات التي بثتها القناتان خلال الاحتجاجات التي شهدتها عدة مدن تركية بعد توقيف إمام أوغلو.
قرار الهيئة العليا للإذاعة والتلفزيون ضد “هالك تي في” تم تثبيته في 26 يونيو، وتلقى القائمون عليه إخطاراً رسمياً خلال أيام. أما “سوزجو تي في”، فقد حصلت في البداية على قرار قضائي بتجميد تنفيذ العقوبة، قبل أن يُرفع هذا التجميد من قبل المحكمة الإدارية السابعة في أنقرة، ما أتاح تنفيذ القرار بشكل متزامن ضد القناتين.
توقيت التنفيذ: تزامن مثير للجدل وتنديد بالمنهجية
رغم أن العقوبتين تمتا عبر مسارين قانونيين منفصلين، إلا أن تنفيذهما في نفس التوقيت أثار موجة من الانتقادات الواسعة، حيث وصف مراقبون التوقيت بأنه “غير بريء” ويعكس “نهجاً منسقاً” لضرب أكثر من صوت إعلامي معارض دفعة واحدة.
وفي هذا السياق، أعلنت إدارة “هالك تي في” عزمها الطعن قضائياً على القرار، واعتبرته “ضربة خطيرة لحرية الصحافة”، فيما أكدت مصادر قانونية أن تكرار المخالفات في غضون عام واحد قد يؤدي إلى سحب التراخيص بشكل دائم.
ردود الفعل السياسية: المعارضة تتصدى عبر الإعلام
النائب المعارض في مجلس الهيئة العليا للإذاعة والتلفزيون، إلهان طاشجي، والمنتسب لحزب الشعب الجمهوري، صرّح بأن العقوبات الأخيرة تشكل “الخطوة الأخيرة قبل إلغاء التراخيص”، محذّراً من حملة أوسع تستهدف ما تبقى من الإعلام المستقل في البلاد.
رئيس حزب الشعب الجمهوري، أوزجور أوزيل، عبّر عن تضامنه الكامل مع القناتين، وقال: “ما يُعاقب هنا ليس فقط ‘سوزجو’ أو ‘هالك’، بل الحقيقة ذاتها“. وأضاف بأن الحكومة “تحاول أن تحكم بالضغط لا بالخدمة العامة، وهذا خطأ تاريخي في الحسابات“.
الهيئة العليا للإذاعة والتلفزيون تحت المجهر: ازدواجية في تطبيق العقوبات
الهيئة المنظمة للبث التلفزيوني تواجه منذ سنوات اتهامات بالتواطؤ مع السلطة، عبر استهداف وسائل الإعلام المعارضة، والتغاضي عن الانتهاكات الإعلامية في القنوات المؤيدة للحكومة مثل “تي آر تي خبر” و“أ خبر“.
وتأتي العقوبات الجديدة بعد إجراءات مماثلة شملت قنوات مثل “Tele 1” و“Now TV”، والتي تعرضت لغرامات وتعليق البث بسبب تغطيتها لاحتجاجات اعتقال إمام أوغلو.
السياق الأوسع: تراجع الحريات وتنامي الغضب الشعبي
تتزامن هذه الإجراءات مع تصاعد السخط الشعبي على خلفية الأوضاع الاقتصادية، والضغوط على الحريات المدنية، والاحتجاجات التي اندلعت بعد توقيف إمام أوغلو، وهو أحد أبرز منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان على الساحة السياسية، وسط مؤشرات على إعادة اصطفاف سياسي في البلاد.

