في خضم الأوضاع السياسية المتقلبة في تركيا، عاد الصحفي والمحلل السياسي الشهير جوهري جوفين – الذي يتابعه أكثر من 700 ألف شخص رغم حظر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي داخل تركيا – ليطرح واحدة من أكثر القضايا حساسية وخطورة، كاشفًا أبعادًا غير مسبوقة لقضية شهادات التخرج التي باتت تهدد استقرار المشهد السياسي برمّته.
الدبلومة.. سلاح في معركة النفوذ
أكد جوفين أن مسألة الشهادات التعليمية تحولت إلى محور رئيسي في الصراع السياسي الداخلي، بعدما برزت قضيتان خطيرتان: أولهما استمرار الجدل حول عدم امتلاك رجب طيب أردوغان شهادة جامعية صحيحة، وثانيهما قرار إلغاء شهادة تخرج أكرم إمام أوغلو، أبرز خصوم أردوغان في انتخابات الرئاسة المقبلة.
جوفين أوضح أن أردوغان حاول منذ مدة طويلة تحييد إمام أوغلو عبر قضايا فساد ومخالفات مالية مزعومة، غير أن مسار الأحداث تغيّر فجأة، إذ قرر ضربه في مقتل عبر التشكيك بشرعية شهادته الجامعية، ليدمر مستقبله السياسي من جذوره، حتى لو برّأه القضاء لاحقًا من تهم الفساد.
قرار قضائي خطير مرّ بصمت
في خلفية المشهد، كشف جوفين عن تطور خطير وقع قبل 15 يوماً فقط من قرار إلغاء شهادة إمام أوغلو: فقد أصدرت الغرفة الرابعة في محكمة التمييز، أعلى هيئة قضائية في تركيا، قراراً تاريخياً في 3 مارس 2025. تناول هذا القرار قضية الكاتب المعروف أرغون بويراز، الذي ألف كتابًا بعنوان “دون شهادة” (Diplomasız)، اتهم فيه أردوغان صراحة بتزوير شهادته الجامعية.
في هذا السياق، بيّن جوفين أن محكمة التمييز رفضت، بإجماع قضاتها، اعتبار ما ورد في الكتاب إساءة لشرف وكرامة الرئيس أردوغان، معتبرةً أن الادعاءات مبنية على “وقائع حقيقية ووثائق موثقة”، وليست محض افتراءات أو شتائم. وأضاف أن هذا القرار مثّل صفعة قاسية وغير معلنة لأردوغان، وأشعل نيران الأزمة داخل مؤسسات الدولة العميقة.
الكتاب الذي هزّ أركان النظام
يحمل كتاب “دون شهادة” تفاصيل دقيقة عن مخالفات أردوغان، منها:
- غياب أي تسجيل رسمي يثبت انتقاله من مدرسة الإمام الخطيب إلى جامعة معترف بها.
- تقديمه شهادات مدرسية فقط لا تؤهله للالتحاق بالجامعة أو قيادة السيارة وفق النظام التركي.
- تناقض الوثائق التي قدّمها عبر مراحل مختلفة من مسيرته السياسية.
- غياب أي أثر لزملاء دراسة له في المرحلة الجامعية.
- وثائق التأمين الاجتماعي التي تظهر أنه كان يعمل في وظائف بدوام كامل في سنوات يُفترض أنه كان طالباً فيها.
وفي فصول أخرى، يُتهم أردوغان بتأسيس “تنظيم إجرامي” لأغراض التزوير والفساد، بل ويصفه بويراز بأنه “صاحب أكبر عملية تزوير سياسي في تاريخ تركيا الحديث”، إلى جانب اتهامه بأنه قام بتزوير شهادته الجامعية، مما يعني أن محكمة التمييز أقرت بشكل غير مباشر ما ورد في الكتاب وفقا للمحلل.
المؤسسات العميقة.. بين الصمت والتواطؤ
أشار جوفين إلى مفارقة تاريخية خطيرة: رغم أن فترة كتابة هذا الكتاب تزامنت مع قوة المؤسسة العسكرية وهيمنة التيار الكمالي المتشدد، فإن هؤلاء الذين كانوا يملكون جميع أدوات الدولة بيدهم، وخاصة مجلس التعليم العالي (YÖK) تحت رئاسة كمال جوروز، امتنعوا عن فتح تحقيق رسمي في مسألة شهادة أردوغان، قبل وصوله إلى سدة الحكم في البلاد عام 2002، بل اكتفوا بملاحقته بقضايا فرعية كإلقاء قصيدة دينية، وقضايا فساد بسيطة؛ مما منحه زخماً شعبياً إضافياً قاده لاحقاً إلى قمة السلطة.
واستنتج جوفين أن هذا التغاضي المتعمد مهّد الطريق لتحالفات لاحقة بين أردوغان وبعض جنرالات ذلك الزمان المنتمين إلى تنظيم أرجنكون الإجرامي، كما تجلى لاحقاً في “لقاء دولما بهتشه” الشهير بين أردوغان وقائد الأركان في ذلك الوقت ياشار بويوك آنيط.
الرد السريع.. إسقاط شهادة إمام أوغلو
بمجرد إدراك أردوغان خطورة قرار محكمة التمييز بخصوص كتاب “دون شهادة”، سارع إلى الرد عبر الضغط المباشر لإلغاء شهادة إمام أوغلو. وقد تعرقل تنفيذ طلب أردوغان بسبب مقاومة عميد الكلية المعنية، مما اضطره للاستقالة، ليُصار إلى تشكيل لجنة بديلة خصيصاً لتنفيذ الإلغاء.
ورغم محاولات إمام أوغلو للطعن على القرار قضائيًا، فإن جوفين أكد أن الأمور تزداد تعقيداً، إذ يعمل أردوغان على إعادة تشكيل موازين القوى داخل القضاء، عبر إقصاء عناصر محسوبة على حزب الحركة القومية (MHP) داخل محكمة التمييز، وإحكام قبضته التامة على المحكمة الدستورية بعد سلسلة من التعيينات الجديدة الموالية له.
معركة مصيرية مفتوحة
خلص جوهري جوفين إلى أن معركة الشهادات التعليمية ليست مجرد نزاع قانوني أو صراع شخصي، بل تمثل صراعاً حقيقياً على الشرعية السياسية والدستورية في تركيا. فبينما يحاول بعض الفاعلين في الدولة العميقة تمهيد الطريق لإمام أوغلو، يظهر أن أردوغان مصرٌّ على الاحتفاظ بالسلطة بكل الوسائل، وهو لا يتردد في استخدام القضاء، والتعليم، والإعلام كأدوات حربية في معركته للبقاء.
ومع استمرار تفاقم الأزمة، حذر جوفين أن مآلات هذه المعركة لن تحدد فقط مصير شخصين، بل مستقبل الجمهورية التركية بأكملها.

