أكدت نائبة وزير الكهرباء والطاقة في جنوب أفريقيا، سامانثا غراهام-مار، أن بلادها ما زالت ترحّب بالاستثمار التركي على الرغم من تعثّر مشروع «كارباورشيب» المثير للجدل.
جاء تصريحها خلال مشاركتها في فعاليات مؤتمر الاستثمار في التعدين الأفريقي (Mining Indaba 2026)، الذي احتضنته مدينة كيب تاون بين التاسع والثاني عشر من فبراير، وشهد حضوراً واسعاً تجاوز عشرة آلاف مشارك من المستثمرين وخبراء التعدين ومسؤولي الحكومات الأفريقية والعالمية.
خلفية الأزمة وانهيار الاتفاق الضخم
القضية التي أثارت اهتماماً واسعاً تعود إلى عام 2021، حين منحت هيئة تنظيم الطاقة في جنوب أفريقيا تراخيص توليد كهرباء لشركة «كارباورشيب» التابعة لمجموعة «قره دينيز القابضة» التركية. وكان الاتفاق، الذي بلغت قيمته نحو 218 مليار راند (قرابة 15 مليار دولار)، يهدف إلى استقدام سفن توليد كهرباء عائمة لتوفير طاقة طارئة للبلاد ومواجهة أزمة الانقطاعات المستمرة.
غير أن المبادرة واجهت اعتراضات حادة من المجتمع المدني الذي اتهم الحكومة بالتحايل على الإجراءات البيئية عبر استغلال آليات الطوارئ التي فُرضت خلال جائحة «كوفيد-19». وبلغ الجدل ذروته عندما أصدرت المحكمة العليا في بريتوريا حكماً بإلغاء التراخيص الثلاثة الممنوحة للشركة التركية، ما أدى عملياً إلى انهيار الصفقة.
رؤية الحكومة: فشل المشروع لا يعني استبعاد تركيا
وفي تأكيد لطبيعة القرار، أوضحت غراهام-مار أنّ إلغاء الاتفاق لم يكن بدافع رفض الاستثمارات التركية، بل لعدم انسجام المشروع مع الرؤية طويلة المدى لقطاع الطاقة في جنوب أفريقيا. وأضافت أن بلادها تبني استراتيجيتها على تحقيق أمن طاقي مستدام يعتمد على التحول نحو مصادر متجددة، وربط الاستثمار الصناعي بما يعزز النمو المحلي وخلق فرص العمل الدائمة، لا الحلول المؤقتة.
تجديد الثقة بين بريتوريا وأنقرة
التصريحات جاءت في وقت يشهد فيه التقارب بين البلدين زخماً سياسياً واقتصادياً. فقد شهدت الأشهر الأخيرة زيارة رفيعة المستوى لوفد حكومي جنوب أفريقي إلى تركيا ضم سبعة وزراء ونائب الرئيس بول ماشاتيله، حملت رسالة واضحة مفادها أن بريتوريا تسعى إلى توسيع نطاق الشراكة مع أنقرة.
وخلال مشاركته في مجلس الأعمال الجنوب أفريقي–التركي في إسطنبول خلال أكتوبر الماضي، وصف ماشاتيله تركيا بأنها «شريك استراتيجي»، وأعلن عن انطلاق «اللجنة الثنائية العليا» بين البلدين في أنقرة، في خطوة تهدف لتعميق التعاون الاقتصادي والاستثماري.
التبادل التجاري وآفاق التعاون
بلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين حوالي ملياري دولار عام 2024، غير أن الميزان التجاري لا يزال يميل لصالح تركيا، إذ تتركز صادرات جنوب أفريقيا في المواد الخام، في حين تعتمد الواردات على المنتجات التركية المصنعة. وتسعى الحكومتان حالياً إلى تصحيح هذا الاختلال عبر تشجيع المشاريع المشتركة في مجالات القيمة المضافة، والتصنيع المحلي، والطاقة المتجددة.
الحضور التركي في «إندابا» وأفق جديد للتعاون
شهد المؤتمر هذا العام حضوراً تركياً لافتاً، تمثّل في مشاركة شركات مثل FKK Mining وKirlioğlu Explosives وKSE Mining، إلى جانب اجتماعات بين الوفود التركية ونظرائها الأفريقية. كما حضرت السفيرة التركية في جنوب أفريقيا، عائشة جول دراما يلدرم غينتش، على رأس وفد من رجال الأعمال الأتراك، ما عكس رغبة واضحة من أنقرة في تعزيز وجودها في القارة الأفريقية، خصوصاً في قطاعات التعدين والطاقة والبنية التحتية.
رسالة واضحة للمستثمرين
أكدت غراهام-مار في ختام حديثها أن «جنوب أفريقيا ما زالت مفتوحة للأعمال»، مشددة على أن أي استثمار مرحّب به طالما يتماشى مع الاستراتيجية الصناعية الوطنية ويساهم في التنمية الاجتماعية وخلق فرص عمل مستدامة. وأوضحت أن الحكومة تسعى إلى جذب شركاء طويلين الأمد يتشاركون معها رؤية التحول نحو الطاقة الخضراء، وليس مجرد مزودي حلول طارئة.
الخلاصة
رغم انهيار صفقة «كارباورشيب»، تعبّر تصريحات المسؤولين الجنوب أفريقيين عن رغبة صريحة في الحفاظ على متانة العلاقات مع تركيا، وفتح الباب أمام استثمارات تتماشى مع التحول الاقتصادي والطاقي طويل الأمد للبلاد.

