أصدرت محكمة تركية قرارًا مثيرًا للجدل يقضي بإبطال نتائج مؤتمر حزب الشعب الجمهوري في إسطنبول الذي عُقد في أكتوبر 2023، وإقالة رئيس الفرع أوزجورتشيليك ومجلسه، إضافة إلى تعليق عضوية مئة وستة وتسعين مندوبًا.
القرار عيّن هيئة وصاية مكونة من خمسة أشخاص بقيادة السياسي المخضرم غورسل تكين، إلى جانب زكي شين، وحسن باباجان، ومجدت غوربوز وأركان نارساب.
رفض داخلي واتهام بالانقلاب على الشرعية
زعيم الحزب أوزجور أوزيل أعلن من مقر الحزب في إسطنبول أن القرار غير شرعي ويمثل “مصادرة للسلطة”، مؤكدًا أن تشيليك لا يزال في منصبه إلى حين استكمال الاستئناف. أما رئيس بلدية إسطنبول المعتقل أكرم إمام أوغلو، فاعتبر أن الحكم يستهدف الديمقراطية التركية نفسها، داعيًا أنصاره إلى مقاومته عبر القضاء.
موقف الحكومة وتبرير “الإجراء المؤقت“
وزير العدل يلماز تونج وصف القرار بأنه “إجراء احترازي” يهدف إلى منع الأضرار خلال العملية القضائية، وليس حكمًا نهائيًا. غير أن المعارضة رأت فيه استمرارًا لسياسة الوصاية التي استُخدمت سابقًا للسيطرة على بلديات معارضة، خصوصًا في جنوب شرق البلاد.
تمهيد لتغيير القيادة الحزبية؟
معلقون مقربون من الحكومة اعتبروا أن ما جرى في إسطنبول قد يكون اختبارًا قبيل جلسة 15 سبتمبر المخصصة للنظر في شرعية مؤتمر الحزب الوطني الذي انتخب أوزيل في نوفمبر 2023. الصحفيان جَم كوتشوك وعبد القادر سلڤي رجّحا أن تصدر المحكمة حكمًا بـ”البطلان المطلق”، ما يعني إلغاء نتائج المؤتمر الوطني وتعيين لجنة وصاية للإشراف على انتخابات جديدة.
انتقادات أوروبية وتحذيرات من ضربة للديمقراطية
عضو البرلمان الأوروبي ناشو سانشيز أمور كتب أن إلغاء مؤتمر إسطنبول يبدو تمهيدًا لإبطال المؤتمر الوطني للحزب المعارض، معتبراً أن مثل هذا القرار سيمثل “ضربة قاتلة للتعددية الحزبية في تركيا“.
ردود متباينة داخل تركيا
نواب الشعب الجمهوري وصفوا الحكم بأنه “انتهاك لإرادة الناخبين والسيادة الداخلية للحزب”. حزب الديمقراطي والمساواة للشعوب اعتبره غير دستوري ويجعل الانتخابات الحزبية رهينة بقرارات المحاكم. في حين رأى حزب العمال التركي أن الحكومة تسعى لتحقيق مكاسب سياسية من قاعات المحاكم بدل صناديق الاقتراع.
في المقابل، قال زعيم الحركة القومية دولت بهجلي إن الحزب دخل في “غيبوبة سياسية”. أما حزب العدالة والتنمية الحاكم فاكتفى ببيان من الناطق باسمه عمر تشيليك أكد فيه متابعة المسار القانوني دون مناقشة القضية في اجتماع القيادة.
خلفية الدعوى القضائية
الدعوى التي أدت إلى قرار إسطنبول استندت إلى مزاعم بوجود مخالفات إجرائية، منها إخطار لجنة الانتخابات في منطقة ساريير بعقد المؤتمر، بينما جرى التصويت في قاعة مركز الخليج للمؤتمرات بمنطقة بايوغلو، ما اعتُبر انتهاكًا للقانون الانتخابي ولوائح الحزب. كما استندت الدعوى إلى تسجيلات إعلامية وتحقيقات ادعاء عام زعمت وجود محاولات للتأثير على المندوبين عبر المال والهدايا والوعود الوظيفية.
المدعون طالبوا بتجميد جميع قرارات المؤتمر، وعزل القيادة المنتخبة، وإعادة المجلس السابق أو تعيين مجلس وصاية، وتعليق بعض مخرجات مؤتمر الحزب العام.
ملفات جنائية موازية
الادعاء العام فتح أيضًا قضية جنائية بحق عشرة من قيادات الحزب على خلفية مؤتمر 2023، بينهم أوزجور تشيليك ورئيسا بلديتين، بتهم تتعلق بالتلاعب بالتصويت، مع المطالبة بأحكام تصل إلى ثلاث سنوات سجن.
أبعاد سياسية أوسع
يُنظر إلى السيطرة على فرع إسطنبول باعتبارها خطوة استراتيجية، فالمدينة التي تضم أكثر من 16 مليون نسمة تشكل مركز الثقل الاقتصادي والسياسي للبلاد، كما أنها القاعدة الرئيسية لإمام أوغلو، أبرز خصوم الرئيس أردوغان والذي يواجه بدوره تهماً بالفساد منذ مارس.
انقسام داخل الحزب وصراع على الشرعية
رئيس الهيئة المؤقتة غورسل تكين، الذي يواجه أصلاً إجراءات طرد من الحزب، قال إنه علم بتعيينه عبر وسائل الإعلام، مؤكدًا أن هدفه قيادة الحزب نحو انتخابات داخلية “بوحدة الصف”. لكن أوزيل شدد على أن أي عضو يشارك في “مخطط كهذا” سيتعرض للإقصاء، وأعلن اتخاذ خطوات لطردهم من الحزب.
الطعن والاستئناف القانوني
الفريق القانوني لحزب الشعب الجمهوري يستعد للطعن بالقرار وطلب إيقاف تنفيذه بحجة عدم اختصاص المحكمة وتوقيت إصدار الحكم. أوزيل حذر من أن السماح للمحاكم الابتدائية بإبطال نتائج انتخابات حزبية مصدق عليها قد يفتح الباب للتشكيك في شرعية نتائج الانتخابات العامة التي تشرف عليها الهيئة العليا للانتخابات.

