في مراسم احتضنها مبنى البرلمان الأوروبي بالعاصمة بروكسل، مُنح عمدة إسطنبول الموقوف، أكرم إمام أوغلو، جائزة “باويل اداموفيتش” لعام 2026، اعترافاً بموقفه المبدئي في الدفاع عن الديمقراطية، واستقلال الحكم المحلي، وقيم التضامن والمساواة في وجه ما تصفه دوائر غربية بـ“النزعات السلطوية” في تركيا.
وقَبِل الجائزة بالنيابة عن إمام أوغلو نائب العمدة نوري أصلان، الذي تلا رسالة مؤثرة بعث بها إمام أوغلو من سجنه في مؤسسة مرمرة العقابية الواقعة بضواحي إسطنبول.
رسالة من وراء القضبان
في كلمته المكتوبة، عبّر إمام أوغلو عن أسفه لعدم قدرته على حضور الحفل قائلاً إن “التضامن الصادق من المؤمنين بالديمقراطية لا يقل قيمة عن الجائزة نفسها”. وأضاف أن الضغوط المفروضة على رؤساء البلديات المنتخبين لا تستهدف المؤسسات فحسب، بل إرادة الناخبين ذاتها، مؤكداً أن الديمقراطية وحقوق الإنسان “ملك مشترك لكل الشعوب”.
ودعا المؤسسات الأوروبية إلى مزيد من التضامن مع ما وصفه بـ“الفترة العصيبة التي تمرّ بها الديمقراطية التركية”، مؤكداً أن مكان تركيا الطبيعي هو داخل العائلة الأوروبية الديمقراطية.
خصص إمام أوغلو الجائزة لمواطنيه الذين “يصرّون على المشاركة الحرة رغم القمع السياسي”.
رسائل دعم من العائلة الأوروبية
تخلل المراسم عرض مقطع مصور لزوجته، ديليك إمام أوغلو، شددت فيه على رفضها “الاعتياد على الغياب”، مشيرة إلى أن هذه الجائزة تحمل “شهادة على استمرار وجود المدافعين عن القيم السامية في العالم”. كما ألقت ماغدالينا اداموفيتش، أرملة العمدة البولندي الراحل، كلمة عبّرت فيها عن تضامنها الكامل مع إمام أوغلو، معتبرة أن تكريمه “يمثل رسالة دعم لكل المسؤولين المنتخبين الذين يواجهون المخاطر حفاظاً على الديمقراطية المحلية”.
خلفيات ومغزى سياسي
التحقيقات التي أفضت إلى اعتقال إمام أوغلو في مارس 2025 ما تزال موضع جدل واسع داخل تركيا وخارجها. إذ يواجه اتهامات بالفساد و”التجسس السياسي”، وهي تهم ينفيها بشدة هو وحزبه، حزب الشعب الجمهوري.
يرى مراقبون أن توقيفه جاء مباشرة بعد إعلان ترشيحه رسمياً للانتخابات الرئاسية لعام 2028، ما أعطى الخطوة طابعاً سياسياً، خاصة في ظل الاحتجاجات الواسعة التي اجتاحت المدن التركية آنذاك، وموقف المعارضة التي وصفت القضية بأنها “محاولة لإقصاء أبرز منافس محتمل للرئيس”. ويقترب هذا الشهر -وتحديداً في التاسع عشر من مارس- الذكرى السنوية الأولى لاعتقاله وإبعاده عن منصبه.
دلالات الجائزة في السياق الأوروبي
تحمل جائزة “باويل اداموفيتش”، التي تُمنح سنوياً بالشراكة بين مدينة غدانسك ولجنة الأقاليم الأوروبية وشبكة آيكرن للمدن الملاذات، رمزية خاصة لكونها تُخلّد ذكرى العمدة البولندي الذي اغتيل عام 2019 أثناء أداء مهامه دفاعاً عن قيم الحرية والتعددية.
وفي نسخة هذا العام، أشار المنظمون إلى أن تكريم إمام أوغلو يحمل “بعداً استثنائياً”، لأنه يُكرّم شخصاً فقد حريته بسبب مواقفه الديمقراطية، ولأنه “يذكّر بأن الدفاع عن الإرادة الشعبية لا يتجزأ بين شرق أوروبا وغربها”.
ردود فعل ومعانٍ أعمق
كتب إمام أوغلو بعد الحفل على منصة “إكس” رسالة من سجنه قال فيها: “إنها شهادة على أننا لسنا وحدنا في نضالنا من أجل حكم القانون. اليأس ليس خياراً، فالكلمة ستغلب الخوف، ومدننا ستظلّ بيوتاً لشعوبها.”
وفي دوائر أوروبية، عُدّ هذا التكريم بمثابة تحذير ناعم لأنقرة، ورسالة تشجيع للمعارضة المدنية التركية قبيل المرحلة التحضيرية الطويلة نحو انتخابات 2028.
بين السجن والمستقبل السياسي
رغم تقييد حركته، لا يزال إمام أوغلو يُعتبر أبرز وجه في المعارضة التركية، ومركز استقطاب للتيارات الديمقراطية وحتى لقطاعات من الطبقة الوسطى المحافظة الباحثة عن بديل مدني. وتشير تحليلات متزايدة إلى أن استمرار حبسه قد يعمّق الفجوة بين أنقرة وبروكسل، ويزيد الضغوط على الحكومة التركية بشأن سجلها في الحريات المحلية.
خلاصة
تكريم إمام أوغلو في بروكسل تحول إلى رمز للتضامن الأوروبي مع الحريات المحلية في تركيا، وأعاد تسليط الضوء على أزمته السياسية التي تتقاطع فيها العدالة بالديمقراطية، والصراع على شرعية الإرادة الشعبية.

