في خطوة تعكس انتقال أنقرة من مرحلة الاكتفاء بتطوير مواردها البحرية إلى توسيع حضورها خارج نطاقها السيادي، انضمت شركة البترول التركية إلى عملاق الطاقة البريطاني “شل” ضمن مشروع تنقيب بحري في المياه الإقليمية البلغارية في البحر الأسود.
الاتفاق، الذي أُعلن عنه رسميًا في إسطنبول، يضع الشركة الوطنية التركية شريكًا في رخصة الاستكشاف الخاصة ببلوك “خان ترفيل”، الواقع ضمن الولاية البحرية لبلغاريا، وعلى مقربة من حقل صقاريا التركي للغاز، ما يمنح المشروع بعدًا جغرافيًا واستراتيجيًا متصلًا مباشرة بتجربة أنقرة الحديثة في إنتاج الغاز البحري.
تفاصيل الترخيص وخطة العمل الميدانية
بموجب الترتيبات الجديدة، تتولى شل صفة المشغّل الرئيسي للرخصة، بينما تدخل شركة البترول التركية كشريك في عمليات الاستكشاف.
المرحلة الأولى ستشمل تنفيذ مسوحات زلزالية ثلاثية الأبعاد على مساحة تُقدّر بنحو 3,800 كيلومتر مربع. هذه البيانات الجيوفيزيائية ستشكّل الأساس لتقييم الجدوى الفنية والاقتصادية، تمهيدًا لاتخاذ قرار بشأن حفر بئر استكشافية في المرحلة التالية إذا ما أظهرت النتائج مؤشرات واعدة.
خلفية القرار: استراتيجية توسيع العمليات الخارجية
وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار أوضح أن هذه الشراكة تأتي في إطار سياسة ممنهجة لتوسيع نشاط الشركة الوطنية خارج الحدود البحرية التركية، مستندة إلى الخبرة المتراكمة في عمليات البحر الأسود.
وأشار إلى أن امتلاك تركيا أسطولًا من سفن الحفر والتنقيب الزلزالي، إلى جانب كوادر فنية مدرّبة، أسهم في تعزيز موقعها التفاوضي وإتاحة المجال أمام شراكات تتجاوز نطاقها السيادي.
تجربة صقاريا: نقطة التحول في الطموح البحري
منذ بدء الإنتاج في حقل صقاريا للغاز في أبريل 2023، شهدت تركيا طفرة ملحوظة في أنشطة الاستكشاف البحري. وقد بلغ الإنتاج اليومي من الحقل نحو 9.5 ملايين متر مكعب في عام 2025 وفق الأرقام الرسمية، ما عزز قناعة صناع القرار بقدرة البلاد على لعب دور أكبر في معادلة الطاقة الإقليمية.
هذا التطور لم يقتصر على زيادة الإنتاج، بل ترافق مع استثمارات في تعزيز قدرات الحفر والتوسع في الخطط طويلة المدى لرفع الطاقة الإنتاجية وتقليل الاعتماد على واردات الغاز.
شبكة اتفاقيات أوسع مع عمالقة الطاقة
التحرك نحو بلغاريا لا يأتي بمعزل عن مسار أوسع من الانفتاح على شركات الطاقة العالمية. فمنذ مطلع عام 2026، وقّعت شركة البترول التركية اتفاقيات تعاون مع شركات كبرى مثل ExxonMobil وChevron وBP، بهدف استكشاف فرص محتملة في البحر الأسود وشرق المتوسط.
هذا التوسع يعكس توجهًا تركيًا لتقاسم المخاطر الاستثمارية مع شركاء دوليين، وفي الوقت نفسه الاستفادة من التكنولوجيا المتقدمة والخبرة التشغيلية لهذه الشركات.
دلالات جيوسياسية واقتصادية
يحمل المشروع بعدًا يتجاوز الجوانب التقنية، إذ يعكس تحولًا في دور أنقرة من مستهلك كبير للطاقة إلى لاعب يسعى لترسيخ موطئ قدم في عمليات الاستكشاف الإقليمية. كما يبرز أهمية البحر الأسود كمسرح تنافسي للطاقة، في ظل سعي دول المنطقة لتنويع مصادر الإمدادات وتعزيز أمن الطاقة.
بالنسبة لبلغاريا، يمثل المشروع فرصة لاستكشاف موارد محتملة في مياهها البحرية بالتعاون مع شركتين تمتلكان خبرة تشغيلية واسعة، ما قد يعزز مكانتها في سوق الطاقة الأوروبية إذا ما أفضت أعمال الاستكشاف إلى اكتشافات تجارية.
خلاصة
انضمام شركة البترول التركية إلى شل في المياه البلغارية يعكس انتقال أنقرة إلى مرحلة التوسع الخارجي المدروس في قطاع الطاقة البحري. المشروع يستند إلى تجربة صقاريا ويعزز شبكة شراكات دولية أوسع في البحر الأسود وشرق المتوسط.

