دخلت العلاقات الألمانية التركية مرحلة توتر جديدة بعد مطالبة الحكومة الألمانية بالإفراج الفوري عن الصحفي أليجان أولوداغ، العامل لدى هيئة البث الألمانية العامة دويتشه فيله، عقب صدور قرار من محكمة في إسطنبول بحبسه على ذمة اتهام يتعلق بإهانة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
القرار القضائي أثار ردود فعل سياسية رسمية في برلين، حيث اعتبرت الحكومة الألمانية أن القضية تمس جوهر حرية العمل الصحفي واستقلاليته، في وقت تتجدد فيه الانتقادات الأوروبية لسجل تركيا في مجال حرية التعبير.
موقف ألماني حازم: “العمل الصحفي ليس جريمة”
وزير الثقافة الألماني وولفرام وايمر وصف الاتهامات الموجهة للصحفي بأنها تفتقر إلى الأساس، مؤكداً أن ممارسة العمل الصحفي لا يمكن تجريمها. وطالب بالإفراج الفوري عن أولو داغ، مشدداً على ضرورة تمكين دويتشه فيله وموظفيها من العمل بحرية واستقلال داخل الأراضي التركية دون ضغوط أو تهديدات.
من جانبه، عبّر المتحدث باسم الحكومة الألمانية سيباستيان هيل عن “قلق عميق” إزاء القرار القضائي، معتبراً أن الصحفيين يجب أن يكونوا قادرين على أداء مهامهم المهنية دون خوف من الملاحقة أو الانتقام. وأشار إلى أن ملف حرية الصحافة في تركيا يشكل مصدر قلق دولي منذ سنوات، في إشارة إلى التوتر المزمن بين أنقرة ومؤسسات أوروبية بشأن هذا الملف.
الإطار القانوني في تركيا: تجريم إهانة الرئيس
القضية تستند إلى مادة قانونية تُجرّم إهانة رئيس الجمهورية، وهي مادة لطالما أثارت جدلاً داخلياً وخارجياً بسبب استخدامها المتكرر في ملاحقة صحفيين وناشطين ومعارضين سياسيين.
منظمات حقوقية وهيئات أوروبية انتقدت على مدى سنوات توسيع نطاق تطبيق هذه المادة، معتبرة أنها تُستخدم أداةً لتقييد حرية التعبير، بينما تؤكد السلطات التركية أنها تستند إلى قوانين سارية تهدف إلى حماية هيبة المنصب الرئاسي.
قرار الحبس الصادر عن محكمة إسطنبول يعكس استمرار هذا التوجه القضائي، ويأتي في سياق أوسع من القضايا المرفوعة ضد إعلاميين داخل تركيا، سواء من مؤسسات محلية أو أجنبية.
أبعاد دبلوماسية وإعلامية
تحظى القضية بحساسية خاصة نظراً لارتباطها بمؤسسة إعلامية ألمانية ممولة من المال العام، ما يضفي بعداً دبلوماسياً على الملف. فالمطالبة العلنية من وزير في الحكومة الألمانية بالإفراج عن صحفي يعمل لدى دويتشه فيله تشير إلى أن برلين تنظر إلى المسألة باعتبارها اختباراً لبيئة العمل الإعلامي الأجنبي في تركيا.
كما أن التصريحات الرسمية تعكس تمسك ألمانيا بمبدأ استقلالية وسائل الإعلام التابعة لها في الخارج، في وقت تتسم فيه العلاقات التركية الأوروبية بتقلبات مرتبطة بملفات سياسية وأمنية وحقوقية متعددة.
حرية الصحافة في تركيا تحت المجهر الدولي
ملف حرية الإعلام في تركيا ظل محل متابعة مستمرة من قبل مؤسسات أوروبية ومنظمات حقوق الإنسان، التي انتقدت اللجوء المتكرر إلى قوانين تتعلق بإهانة الرئيس أو بنشر معلومات تُعد مسيئة أو مضللة.
وتعتبر هذه القضية امتداداً لسياق أوسع من الملاحقات القضائية التي أثارت تساؤلات حول التوازن بين حماية المؤسسات الرسمية وضمان حرية التعبير والصحافة.
في المقابل، تؤكد أنقرة أن منظومتها القضائية مستقلة وأن الإجراءات تتم وفق القوانين الوطنية، رافضة توصيف القضايا ذات الطابع السياسي على أنها انتهاكات ممنهجة.
خلاصة
حبس صحفي يعمل لصالح دويتشه فيله أعاد ملف حرية الصحافة في تركيا إلى واجهة التوتر بين أنقرة وبرلين. التحرك الألماني الرسمي يعكس حساسية متزايدة تجاه أوضاع الإعلاميين، فيما تبقى القضية اختباراً جديداً لمسار العلاقة بين القانون الداخلي التركي والالتزامات الدولية في مجال حرية التعبير.

