في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، برزت مؤشرات على توافق إيراني – سعودي لتجنيب المنطقة انزلاقاً عسكرياً واسع النطاق، بالتوازي مع استئناف المسار التفاوضي بين طهران وواشنطن. السفير الإيراني لدى الرياض، علي رضا عنايتي، كشف في تصريحات لصحيفة “الشرق الأوسط”، عن مشاورات أجرتها بلاده مع دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، حول تطورات المحادثات النووية مع الولايات المتحدة.
وأوضح أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ناقش مع ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء محمد بن سلمان مستجدات الوضع الإقليمي، مع تأكيد مشترك على أولوية الأمن والسلام وضرورة تفادي الحرب. كما أجرى وزير الخارجية الإيراني اتصالات هاتفية متكررة مع نظيره السعودي لوضعه في صورة مسار التفاوض.
هذا التنسيق يعكس إدراكاً خليجياً متزايداً بأن أي مواجهة عسكرية محتملة لن تبقى ضمن حدود إيران أو إسرائيل، بل ستمتد إلى الممرات البحرية وأسواق الطاقة والبنى التحتية الحيوية في الخليج. ومن ثم، فإن الدبلوماسية الوقائية أصبحت خياراً استراتيجياً لا مجرد موقف سياسي.
جنيف: مفاوضات شاقة بين التقدم التقني والعقد السياسية
الجولة الثالثة من المحادثات النووية بين إيران والولايات المتحدة عُقدت في جنيف، واستمرت لساعات طويلة تخللتها فترات توقف للتشاور. وشارك في الوساطة وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، الذي أعلن تحقيق “تقدم ملحوظ”، في حين لعب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي دوراً في نقل وجهات النظر التقنية بين الطرفين.
المحادثات جمعت وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهما ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في صيغتي تفاوض مباشر وغير مباشر.
تركز النقاش على ثلاثة محاور أساسية: حق إيران في تخصيب اليورانيوم ضمن مستويات محددة، والتزامها بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، ورفع العقوبات الاقتصادية. وتم الاتفاق على انتقال الفرق الفنية إلى فيينا، مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لوضع إطار عمل تقني ومنهجية معالجة الملفات العالقة.
غير أن جوهر الخلاف ما يزال قائماً: واشنطن تدفع نحو وقف كامل للتخصيب، وتوسيع المفاوضات لتشمل برنامج الصواريخ الباليستية ودعم طهران لجماعات مسلحة إقليمية، بينما تصر إيران على حصر التفاوض في الملف النووي حصراً، وتفصل بينه وبين قضايا النفوذ الإقليمي.
عُمان كوسيط: دبلوماسية “المنطقة تعالج أزماتها”
رحّبت طهران بالدور العماني، معتبرة أنه يستند إلى رؤية إقليمية لمعالجة النزاعات بالحوار. وقد راكمت مسقط خبرة طويلة في الوساطة الهادئة بين الخصوم، ما يمنحها موقعاً فريداً بين العواصم الخليجية.
الدور العماني هنا لا يقتصر على نقل الرسائل، بل يشمل صياغة مساحات تفاهم تقنية تمكّن الطرفين من حفظ ماء الوجه، خصوصاً في القضايا التي تتداخل فيها الاعتبارات القانونية مع الحسابات الاستراتيجية.
حسابات واشنطن: بين الردع والتسوية
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي سبق أن انسحب من الاتفاق النووي الموقع عام 2015، يتبنى مقاربة تقوم على “الضغط الأقصى” مقروناً بفتح باب التفاوض بشروط أكثر صرامة. في رؤيته، لا يكفي تجميد البرنامج النووي، بل ينبغي كبح الباليستي وتقليص النفوذ الإقليمي.
إلا أن أي خيار عسكري يحمل تعقيدات كبرى. فإذا كان الهدف مجرد الضغط لتحسين شروط التفاوض، فإن ضربات محدودة قد لا تحقق الغاية، بل قد تدفع طهران إلى تسريع برنامجها النووي. أما إذا كان الهدف تغييراً جذرياً في بنية النظام أو قدراته الاستراتيجية، فذلك يستدعي حملة طويلة مكلفة، مع غياب تصور واضح لليوم التالي داخل إيران.
إسرائيل وأوروبا: بين القلق والضغط
تبقى إسرائيل الطرف الأكثر وضوحاً في الدفع نحو مواجهة حاسمة، انطلاقاً من اعتبارها البرنامجين النووي والباليستي تهديداً مباشراً لأمنها، إضافة إلى نشاط “الأذرع” الإقليمية التي ترى أنها تستهدفها على مدى عقود.
أما الدول الأوروبية، فعلى الرغم من خلافاتها مع إدارة ترامب، فإنها تتشارك القلق من احتمال استخدام إيران للورقة النووية أو الباليستية كأداة ابتزاز سياسي. لذلك اتجهت إلى تعزيز منظومة العقوبات بصورة منفردة، حتى مع استمرارها في دعم الحل الدبلوماسي.
إرث التدخلات الإقليمية: جذور الشكوك المتبادلة
لا يمكن فصل الملف النووي عن السياق الأوسع لدور إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن ودول الخليج. فقد أدى دعم طهران لميليشيات مسلحة وتوظيفها في صراعات داخلية وإقليمية إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ وإضعاف بنى الدول الوطنية.
تدخل “حزب الله” ضد إسرائيل، ودعم النظام السوري خلال الحرب الممتدة منذ عام 2012، مثّلا مثالين بارزين على استخدام الأذرع في صراعات متعددة المستويات. وفي المقابل، تستحضر طهران الحرب العراقية عليها في ثمانينات القرن الماضي لتبرير حساسيتها الأمنية واعتمادها على استراتيجيات الردع غير التقليدي.
لكن منذ نهاية تلك الحرب، لم تواجه إيران تهديداً عسكرياً مباشراً واسع النطاق، بل دخلت في دورات تفاوض وتفاهم غير مباشر مع الولايات المتحدة، شملت تعاوناً لوجستياً خلال غزو أفغانستان والعراق، واستفادت من التحولات التي أعقبت عام 2003 في العراق.
من الاحتواء إلى كسر الأذرع: تحوّل المقاربة الأميركية
خلال عقود، اعتمدت واشنطن سياسة الاحتواء والاستيعاب، ما أتاح لإيران توسيع نفوذها تدريجياً. الاتفاق النووي عام 2015 جاء في هذا السياق، إذ أجّل احتمالات التصعيد النووي دون معالجة شاملة لبقية الملفات.
غير أن التحول مع إدارة ترامب تمثل في الانتقال من الاحتواء إلى محاولة تقويض بنية النفوذ الإقليمي عبر استهداف الأذرع وتقليص مصادر التمويل. هذه المقاربة تعني أن الصراع لم يعد يقتصر على أجهزة الطرد المركزي، بل يمتد إلى خرائط النفوذ والتحالفات.
القانون الدولي بين الخطاب والواقع
المفارقة أن إيران، التي طالما انتقدت “القوانين الوضعية”، لجأت في أزماتها إلى الاحتجاج بالقانون الدولي، سواء خلال الحرب مع العراق أو في مواجهة العقوبات والتهديدات الأميركية والإسرائيلية. وفي المقابل، تتهم واشنطن وتل أبيب بتجاوز الشرعية الدولية.
السؤال المطروح اليوم ليس فقط عن قوة القانون الدولي، بل عن مدى فعاليته في نظام دولي يتسم بازدواجية المعايير وتغليب ميزان القوى. غالباً ما يتمسك الضعفاء بالقانون حين يختل توازن القوة، بينما يستخدم الأقوياء القانون ذاته كأداة ضمن أدوات النفوذ.
لحظة مفصلية: بين اتفاق مرحلي وانفجار شامل
المشهد الحالي يضع المنطقة أمام احتمالين متوازيين: إطار تفاهم تقني مرحلي يخفف حدة التوتر ويمنح الجميع وقتاً لإعادة التموضع، أو انهيار المسار التفاوضي بما يفتح الباب أمام مواجهة قد تتجاوز حدود الضربات المحدودة.
المعطيات تشير إلى أن دول الجوار، وفي مقدمتها السعودية، تفضّل خيار التهدئة المنضبطة، بينما تمارس إسرائيل ضغوطاً باتجاه الحسم. أما واشنطن، فتوازن بين كلفة الحرب ومكاسب الاتفاق، في حين تحاول طهران تثبيت حقها في التخصيب مع تخفيف وطأة العقوبات.
في المحصلة، تتقاطع المصالح عند نقطة واحدة: تجنّب حرب شاملة، من دون أن يعني ذلك نهاية الصراع على شكل النظام الإقليمي وحدوده.
الخلاصة
المفاوضات النووية لم تعد ملفاً تقنياً معزولاً، بل اختباراً لإعادة رسم توازنات القوة في الخليج والشرق الأوسط. وبين منطق الردع ومنطق التسوية، تقف المنطقة على حافة خيارين: احتواء متبادل أو تصعيد غير مضمون النتائج.

