تمضي مفاوضات السلام في تركيا قدمًا رغم تصاعد المخاوف من محاولات عرقلتها، وذلك في ظل تحركات سياسية مكثفة شهدت لقاءات بين حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (DEM Parti) وكلٍّ من حزب العدالة والتنمية (AKP) الحاكم وحزب الحركة القومية (MHP) اليميني المتطرف، وذلك بالتزامن مع إدانة الحزب الكردي لضربة جوية تركية مميتة في شمال سوريا.
تحركات سياسية مكثفة بعد دعوة أوجلان للسلام
ترأس كلٌّ من تولاي حاتم أوغولاري وتونجر باقرهان، الرئيسين المشتركين لحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، وفدًا التقى يوم الاثنين بممثلين عن حزب الحركة القومية وحزب العدالة والتنمية، وذلك في إطار تحركات الحزب عقب دعوة عبد الله أوجلان، الزعيم المسجون لحزب العمال الكردستاني (PKK)، في 27 فبراير الماضي، إلى إلقاء السلاح.
ومع ذلك، تزامنت هذه اللقاءات مع تصعيد عسكري خطير، حيث شنّت طائرة مسيّرة تركية غارة على مدينة كوباني، مما أدى إلى مقتل تسعة مدنيين، بينهم سبعة أطفال، الأمر الذي أثار قلق القيادات الكردية من أن استمرار الهجمات التركية على المناطق الكردية في سوريا والعراق قد يهدد مسار مفاوضات السلام.
تحذيرات من المماطلة ومحاولات التخريب
وفي سياق متصل، حذّر النائب المعارض سزجين تانري كولو، عقب زيارته لكلٍّ من الرئيس المشترك السابق لحزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرطاش ورئيس بلدية ديار بكر السابق سَلْجوق مِزْراكلي في السجن، من مخاطر تأخير العملية السياسية، ناقلًا عن دميرطاش ومزراكلي قولهما: “إذا لم تتقدم هذه العملية بسرعة، فقد تصبح عرضة للاستغلال والاستفزاز.”
أما حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، فقد أصدر بيانًا شديد اللهجة يوم الاثنين، أكد فيه أن الضربة الجوية في كوباني لم تكن محض صدفة، بل كانت عملًا مدبرًا يهدف إلى تصعيد التوترات وتقويض جهود السلام، محذرًا من أن هذه الهجمات تأتي تنفيذًا لما سبق أن حذّر منه أوجلان بشأن محاولات تخريب العملية السلمية.
من جانبه، زعم المحلل السياسي التركي المعروف سعيد صفاء أن التحالف الحاكم في تركيا مع أنه من يدير مفاوضات السلام الكردي إلا أنه من جانب آخر تتورط في أعمال من شأنها تخريب مسار السلام الكردي مثل قتل عائلة كردية في سوريا، وذلك من أجل تقوية يده في المفاوضات الجارية بين الطرفين.
ويأتي هذا التصعيد في توقيت حساس، إذ تستعد المجتمعات الكردية في المنطقة للاحتفال بعيد نوروز، الذي يحمل هذا العام شعار “نوروز الحرية” عقب دعوة أوجلان إلى السلام، إلا أن الغارة الجوية الأخيرة ألقت بظلال قاتمة على هذه الاحتفالات، مما أثار مخاوف من أن تؤدي العمليات العسكرية إلى وأد أي تقدم في المسار السياسي.
تحولات غير مسبوقة في موقف الحركة القومية
عقد وفد حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب أولى اجتماعاته يوم الاثنين مع حزب الحركة القومية داخل البرلمان التركي، حيث وصف نائب رئيس الحزب سميح يالتشن الاجتماع بأنه “مثمر للغاية”. ويُعد هذا الموقف مفاجئًا إلى حد كبير، إذ إن الحزب، بقيادة دولت بهجلي، كان من أكثر الجهات تشددًا ضد الحركات السياسية الكردية، إلا أنه أبدى مؤخرًا انفتاحًا على نداء أوجلان للسلام.
وكان بهجلي قد أثار جدلًا واسعًا في أكتوبر الماضي عندما وجّه دعوة غير متوقعة إلى أوجلان، مقترحًا إمكانية التوصل إلى تسوية سلمية مشروطة بنبذ العنف، وهي المبادرة التي أيدها الرئيس رجب طيب أردوغان، مما عكس تحوّلًا استراتيجيًا داخل الأوساط القومية التركية.
وفي أعقاب اللقاء مع حزب الحركة القومية، أجرى وفد حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب اجتماعًا مغلقًا مع مسؤولين من حزب العدالة والتنمية، بمن فيهم أفكان علاء نائب رئيس الحزب، والناطق الرسمي باسمه عمر تشيليك، ورئيس المجموعة البرلمانية للحزب عبد الله غولر، دون إصدار بيان مشترك عقب الاجتماع.
أردوغان وإمكانية لقاء مباشر مع حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب
في ظل هذه التطورات، طلب حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب عقد لقاء مع الرئيس أردوغان، الذي أعلن الأسبوع الماضي عن استعداده للاجتماع شخصيًا مع وفد الحزب حال تقديمهم طلبًا رسميًا بذلك.
شروط تركيا وحدود السلام
في المقابل، لا تزال أنقرة تتعامل بحذر مع أي محاولات لفرض شروط على عملية السلام. فقد شدد وزير الدفاع يشار غولر على أنه لن يكون هناك أي وقف لإطلاق النار مشروط، مؤكدًا أن حزب العمال الكردستاني والجماعات المرتبطة به يجب أن تسلّم أسلحتها دون قيد أو شرط.
كما حذّر أردوغان من أن بلاده ستواصل عملياتها العسكرية إذا استشعرت أي مماطلة أو مناورة في المفاوضات، وهو موقف يعكس رغبة الحكومة في التحكم الكامل بمجريات أي اتفاق سلام مستقبلي.
مواقف الأطراف الكردية.. سلام مشروط أم حرب مفتوحة؟
رغم إعلان حزب العمال الكردستاني عن وقف لإطلاق النار فور إعلان أوجلان دعوته في 27 فبراير، إلا أن جميل باييك، أحد قادة الحزب، أكد الأسبوع الماضي أن عقد مؤتمر لحل الحزب رسميًا أمر غير ممكن في ظل استمرار العمليات العسكرية التركية.
الآفاق المستقبلية.. بين التسوية والتصعيد
وسط هذا المشهد المعقد، يدفع القادة الأكراد نحو تكثيف الجهود الدبلوماسية، بينما تصرّ الحكومة التركية على أولوية المسار الأمني. وقد دعا حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الأحزاب المعارضة والبرلمان إلى لعب دور أكثر فاعلية في دعم جهود السلام، مؤكدًا ضرورة محاسبة المسؤولين عن الهجوم الأخير في كوباني.
وعلى الرغم من استمرار العقبات، فإن هذه التطورات قد تؤدي إلى تحولات جوهرية في المشهد السياسي التركي، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات والضغوط الداخلية والخارجية المتزايدة. وبذلك، يبقى السؤال الرئيسي: هل تنجح هذه الجهود في إنهاء أحد أقدم النزاعات في تركيا، أم أن لعبة التوازنات السياسية ستُعيد الأمور إلى نقطة الصفر؟

