تشهد مدينة إسطنبول، أكبر مدن تركيا وأكثرها كثافة سكانية، ارتفاعًا حادًا في تكاليف المعيشة، إذ سجلت زيادة سنوية بلغت نحو 49.09% في مايو، بحسب تقرير صادر عن “وكالة تخطيط إسطنبول”. هذه الزيادة تكشف عن عمق الأزمة الاقتصادية التي تواجهها البلاد، رغم التطمينات الحكومية بتحسن المؤشرات الاقتصادية.
تكلفة الحياة اليومية تتجاوز الفقر بآلاف الليرات
وفقًا لنتائج المسح، ارتفعت كلفة المعيشة لعائلة مكوّنة من أربعة أفراد في إسطنبول إلى 91,722 ليرة تركية (حوالي 2,344 دولارًا) في مايو، وهو مبلغ يتجاوز بأكثر من أربعة أضعاف الحد الأدنى للأجور البالغ22,104 ليرة(563 دولارًا).
وكانت الكلفة نفسها قد بلغت 61,523 ليرة في مايو 2024، ما يعني أن العائلات تحتاج اليوم إلى أكثر من 30,000 ليرة إضافية شهريًا لتغطية نفس الاحتياجات، وهو ما يعكس تضخمًا حادًا في الأسعار يرهق الأسر التركية.
ارتفاع شهري مستمر: الأرقام لا تتوقف عن الصعود
في أبريل الماضي، كانت الزيادة الشهرية لتكاليف المعيشة في إسطنبول 1.88%، وبلغت الكلفة آنذاك 90,032 ليرة، ما يظهر استمرارية في الصعود شهريًا، ولو بوتيرة أبطأ، مع التوقعات باستمرار هذا الاتجاه التصاعدي في ظل التوترات الاقتصادية والسياسية الداخلية.
ما فوق خط الفقر: العائلات تنزلق نحو العجز
تخطت كلفة المعيشة لعائلة في إسطنبول خط الفقر الرسمي المعلن من قبل “اتحاد النقابات العمالية التركية” (Türk-İş)، والذي حُدد في أبريل بـ 81,733 ليرة تركية(حوالي 2,088 دولارًا). هذا المؤشر يعكس أن غالبية العائلات التركية باتت تعيش تحت ضغط اقتصادي يجعل من تأمين الحاجات الأساسية أمرًا بالغ الصعوبة.
ويُعرّف خط الفقر على أنه الحد الأدنى لتأمين الاحتياجات الأساسية، بما يشمل الغذاء، والسكن، والفواتير، والتعليم، والرعاية الصحية.
تضخم متناقض: أرقام رسمية وأخرى مستقلة
أعلنت “هيئة الإحصاء التركية” (TurkStat) يوم الثلاثاء أن معدل التضخم السنوي في البلاد انخفض إلى 35.4% في مايو، وهو أدنى مستوى له منذ نوفمبر 2021. في المقابل، شككت مجموعة خبراء إيناغ (ENAG) المستقلة في هذه البيانات، وقدّرت المعدل الحقيقي للتضخم بنحو 71.2%، ما يشير إلى فجوة واسعة بين الأرقام الرسمية والمستقلة.
هذه المفارقة تثير تساؤلات جدية حول مصداقية البيانات الرسمية، وتزيد من المخاوف لدى المواطنين والمستثمرين المحليين والدوليين.
خلفية سياسية واقتصادية: إصلاحات شكلية أم هيكلية؟
منذ إعادة انتخابه في مايو 2023، قام الرئيس رجب طيب أردوغان بتعيين فريق اقتصادي جديد يتبنى سياسات أكثر تقليدية، بما في ذلك رفع سعر الفائدة. ومع ذلك، لم تؤدِ هذه الإجراءات بعد إلى تخفيف ملموس في معاناة المواطنين، إذ ما زال الاقتصاد يواجه تحديات شديدة أبرزها التضخم، البطالة، وتراجع الحريات السياسية.
أردوغان يواجه انتقادات متواصلة لسياسته الاقتصادية التي وُصفت بأنها مرتكزة على الإنفاق العشوائي، وتقويض استقلالية المؤسسات، وفرض نمط من “الحكم الفردي” أدى إلى تقويض الثقة الداخلية والدولية.

