في ذروة التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران، وجدت بغداد نفسها على حافة هاوية صراع إقليمي قد ينسف استقرارها السياسي والاجتماعي الهش. وكشفت مصادر دبلوماسية رفيعة في بغداد أن العراق كان على وشك الوقوع في فخ حرب بالوكالة، وُصفت بأنها “تهديد وجودي أخطر من اجتياح داعش” عام 2014. لكن موقفاً سياسياً متماسكاً من الحكومة العراقية، مدعوماً بتقديرات عقلانية من الأطراف الإقليمية، أنقذ البلاد من السيناريو الأسوأ.
تهديد وجودي يفوق خطر “داعش“
أكدت المصادر لصحيفة الشرق الأوسط أن الحرب بين إسرائيل وإيران حملت في طياتها احتمال تفكيك وحدة العراق، خلافاً لتنظيم داعش الذي، رغم خطورته، كان جسماً غريباً على النسيج العراقي، مما سهل تعبئة الداخل والخارج ضده. أما خطر الحرب، فكان يهدد البنية الوطنية من الداخل عبر إيقاظ الانقسامات الطائفية والعرقية.
رسائل إسرائيلية وتحذيرات أمريكية
فور اندلاع الحرب، تلقّت بغداد رسائل إسرائيلية عبر وساطات متعددة، أبرزها أذربيجان، هدّدت فيها تل أبيب بشن “ضربات قاسية ومؤلمة” ضد أي فصائل تنفّذ هجمات انطلاقاً من الأراضي العراقية.
ذكرت الشرق الأوسط في تقريرها الخاص أن الرسائل الإسرائيلية تزامنت مع تحذيرات أمريكية مباشرة، تجاوزت النصائح المعتادة، إلى التحذير من “عواقب وخيمة” قد تطال العراق إن سمح بهجمات من هذا النوع.
سيناريو الكارثة: ماذا لو ردت إسرائيل؟
أعربت السلطات العراقية عن خشيتها من سيناريو مروع، حيث إن هجمات فصائلية شيعية محتملة على إسرائيل تجرّ رداً إسرائيلياً عبر اغتيالات نوعية، على غرار ما نفذته ضد قيادات “حزب الله” اللبناني أو شخصيات إيرانية بارزة في بداية الحرب.
وهذا الرد الإسرائيلي الواسع كان من شأنه إشعال الشارع الشيعي في العراق، ما قد يستدعي مواقف من المرجعية الدينية ويدفع بالأزمة إلى منزلق مواجهة طائفية بين الشيعة وإسرائيل، يتحول معها العراق إلى ساحة قتال.
خطر التفكك الوطني
هذه المواجهة كانت ستنعكس سلباً على العلاقات بين المكونين الشيعي والسني، إذ قد يرى السنة أن الشيعة يجرّون العراق إلى حرب لا مصلحة لهم فيها.
أما على الصعيد الكردي، فكان هناك مخاوف من أن يستغل الإقليم الكردي الفرصة لتوسيع الفجوة مع بغداد، على خلفية تهميشه في القرار الأمني والعسكري، وربما يدفع ذلك إلى إعادة التفكير في مستقبل العلاقة الاتحادية.
أداء حكومة السوداني: حزم مع الفصائل ودبلوماسية متوازنة
أظهرت حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني توازناً دقيقاً بين الحزم والمرونة وفقا للصحيفة، حيث وجّهت تحذيرات مباشرة للفصائل المسلحة بعدم تجاوز الخطوط الحمر أو زج العراق في صراع خارجي، من جانب، وأبقت قنواتها الدبلوماسية مفتوحة مع واشنطن وطهران من جانب آخر، ما سمح لها بامتصاص الضغوط والاحتفاظ بهامش مناورة.
الموقف الإيراني الحاسم
ساعد موقف طهران في تخفيف التوتر، إذ امتنعت إيران عن تشجيع الفصائل العراقية على التصعيد، وفضّلت الحفاظ على علاقتها الاستراتيجية مع بغداد، خصوصاً بعد خسارتها شبه الكاملة للحضور في سوريا بسبب الضربات الإسرائيلية المركّزة هناك.
إدراك الفصائل لميزان القوى
أفادت الصحيفة أيضًا أن وعي الفصائل العراقية بحجم الخطر ساهم في تهدئة الأوضاع، إذ أدركت الفصائل أن الحرب تفوق قدراتها العسكرية والسياسية، خاصة بعد ما شهده “حزب الله” في لبنان من اختراقات إسرائيلية، وما تبيّن من تفوق تكنولوجي واستخباراتي إسرائيلي قادر على تنفيذ عمليات دقيقة حتى في عمق إيران.
إحباط هجمات قبل وقوعها
رغم ذلك، لم تخلُ المرحلة من محاولات خرق، فقد أشارت المصادر إلى أن “مجموعات منفلتة” حاولت تنفيذ ثلاث هجمات ضد أهداف إسرائيلية أو أمريكية، لكن الأجهزة الأمنية العراقية نجحت في إحباطها قبل التنفيذ.
السياق الإقليمي المستمر
لا تزال المخاوف قائمة من تصعيد جديد إذا لم تُقدم طهران تنازلات ضرورية في ملفها النووي، وفق ما تؤكده مصادر دبلوماسية غربية.
وتشير التقديرات إلى أن الجرح الإيراني لم يلتئم بعد، خصوصاً أن إسرائيل تمكّنت من نقل المعركة إلى داخل الأراضي الإيرانية وشجعت واشنطن على استهداف منشآت نووية.

