أصدرت مؤسسة “جستيس سكوير” (Justice Square Foundation) تقريراً حقوقياً موسعاً بعنوان “خطاب الكراهية ضد حركة كولن في تركيا”، يوثق ما وصفه بـ “أوسع حملة كراهية منظمة في التاريخ الحديث للجمهورية التركية”.
التقرير لا يقتصر على سرد انتهاكات حقوق الإنسان، بل يعيد بناء مشهد الكراهية من منظور تاريخي وتحليلي، مبرزاً كيف تحوّلت الدولة التركية بعد عام 2016 إلى منتجٍ وموزّعٍ لخطابٍ إقصائي ضد فئات واسعة من المجتمع، وعلى رأسها حركة الخدمة المعروفة بـ“حركة كولن”.
الوثيقة تستند إلى شهادات حية، وأرشيفات قضائية وإعلامية، وتقارير دولية، لتعرض مشهداً يصفه معدّوها بأنه “يتجاوز الانتهاكات الفردية إلى حدود الجرائم ضد الإنسانية”.
تحول الكراهية إلى سياسة دولة
يرى التقرير أن خطاب الكراهية لم يعد مجرّد رد فعل اجتماعي أو حالة إعلامية عابرة، بل أصبح سياسة ممنهجة بُنيت مؤسسياً منذ محاولة الانقلاب الغامضة في يوليو 2016. فمن خلال مراسيم حالة الطوارئ، جرى تسريح مئات الآلاف من موظفي الدولة، وإغلاق آلاف المؤسسات التعليمية والخيرية والإعلامية، وتجريم أي صلة أو تعاطف مع حركة الخدمة.
ويؤكد التقرير أن هذا التحول مثل نقطة انطلاق لبناء “نظام كراهية”، جعل من القضاء والإعلام والمؤسسات الدينية أدوات لنشر الخوف والإقصاء، في عملية هندسة اجتماعية هدفت إلى خلق “عدو داخلي دائم” يبرر استمرار السلطة.
من أدوات النظام إلى هندسة الكراهية
يوضح التقرير أن نظام الرئيس رجب طيب أردوغان وضع نموذجاً متكاملاً لتغذية الكراهية عبر مؤسسات الدولة: فالحكومة تحولت إلى مصدر للخطاب المحرّض، والإعلام الرسمي إلى منصة لتوزيعه، والبيروقراطية إلى وسيط إداري لنشره، بينما أصبح الرأي العام المتلقي النهائي الذي يُعاد تشكيل وعيه السياسي والديني.وبهذا البناء الهرمي، تحولت العبارات مثل “إرهابي” و“خائن” إلى شعارات تبرّر السجن والتعذيب والفصل والإقصاء الاجتماعي، في مشهد وصفه التقرير بـ“السحق المدني”.
المعارضة شريكة بالصمت والخطاب
في أحد أبرز استنتاجاته، ينتقد التقرير أحزاب المعارضة ووسائل الإعلام المعارضة، مشيراً إلى أنها “تبنت” في كثير من الأحيان الخطاب نفسه الذي أنتجه النظام. فوفقاً للتقرير، تستخدم قوى المعارضة مصطلح “FETÖ” بنفس كثافة الإعلام الموالي للسلطة، لتأكيد براءتها السياسية عبر شيطنة حركة الخدمة.
ويحذّر التقرير من أن هذا السلوك أسّس لثقافة سياسية جديدة في تركيا، حيث لم تعد الكراهية حكراً على السلطة، بل تحولت إلى “أسلوب عام في الممارسة السياسية” يتجاوز الانتماءات الحزبية.
دور المؤسسات الدينية في تكريس الانقسام
يلفت التقرير إلى أن رئاسة الشؤون الدينية (ديانت) لعبت دوراً مركزياً في شرعنة الكراهية، من خلال خطب الجمعة والبيانات الدينية التي صوّرت حركة الخدمة كـ“خطر ديني وأخلاقي”.
هذا التوظيف للدين، بحسب التقرير، جعل من الخطاب الديني أداة تقسيم اجتماعي، بعد أن كان يُفترض أن يكون جسراً للتعايش. وبهذا، تحوّل الدين في تركيا إلى “أداة سياسية لإنتاج الإقصاء وإضفاء الشرعية الأخلاقية على القمع”.
الإعلام الموجَّه: من المعلومة إلى الدعاية
يفصّل التقرير كيف تحوّل الإعلام التركي بعد 2016 إلى ذراعٍ دعائية للنظام. فبعد السيطرة على المؤسسات الإعلامية عبر مجلس الإذاعة والتلفزيون (RTÜK) وصندوق تأمين الودائع (TMSF)، جرى تحويل الخطاب الإعلامي إلى منظومة تبرر القمع وتبرزه كحماية للوطن.
ويقارن التقرير هذا المشهد ببنية الدعاية في ألمانيا النازية، حيث أُعيد تشكيل مؤسسة الاتصالات الرئاسية لتعمل بطريقة مشابهة لوزارة “غوبلز”، من خلال تسويق الأكاذيب وتكرارها حتى تتحول إلى “حقائق وطنية”.
السجن والمجتمع: الكراهية كعقيدة تنفيذية
يؤكد التقرير أن خطاب الكراهية لم يتوقف عند حدود الإعلام أو السياسة، بل امتد إلى سلوك أجهزة الدولة التنفيذية، بما في ذلك السجون ومراكز الاحتجاز.
يذكر أن مئات النساء اعتقلن رغم الحمل أو النفاس، وتعرضن لمعاملة مهينة، فيما احتُجزت أمهات مع أطفالهن في ظروف غير إنسانية. ويصف التقرير هذه الممارسات بأنها “تجسيد معاصر لمفهوم السيفيل تود (الموت المدني)” الذي تحدثت عنه الفيلسوفة حنة أرندت، حيث يُحرم الأفراد من كل حقوقهم المدنية والاجتماعية ليُعزلوا عن المجتمع كأشباح قانونية.
من الكراهية إلى الجرائم ضد الإنسانية
تصل خلاصة التقرير إلى أن السياسات الحالية تجاوزت مرحلة “خطاب الكراهية” لتصل إلى جرائم ضد الإنسانية. فالمواطنون المشتبه بانتمائهم إلى حركة الخدمة – وفق الوثيقة – تعرضوا لأنواع متكررة من التعذيب، والإذلال، والمنع من الخدمات العامة، والحصار الاقتصادي، في حين تمت ملاحقة أقاربهم وحرمانهم من العمل أو الدراسة.
ويشير التقرير إلى أن الكراهية لم تعد تُمارس بقرار سياسي مؤقت، بل تحولت إلى “هوية مؤسسية للدولة الحديثة في تركيا”.
دعوة إلى الضمير الدولي
في ختام التقرير، توجه المؤسسة نداءً إلى المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، بما في ذلك الأمم المتحدة، ومجلس أوروبا، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE)، وهيومن رايتس ووتش، والعفو الدولية، مطالبةً إياها بالتحرك العاجل لـ“أن تكون صوت من لا صوت له”.
ويؤكد النداء أن الصمت الدولي أمام هذا المشهد “يشكل تواطؤاً ضمنياً مع بنية قمع تتجاوز حدود السياسة الوطنية إلى تهديد شامل للقيم الإنسانية المشتركة”.
أبعاد أوسع: من حركة الخدمة إلى المجتمع كله
ورغم أن التقرير يركّز على الانتهاكات الموجهة ضد حركة الخدمة، فإنه يبيّن أن خطاب الكراهية امتد أيضاً ليشمل الأكراد، والعلويين، والروم، واللاجئين، وأفراد مجتمع الميم، وأتباع الديانات غير المسلمة.
هذه الحالات، وفق التحليل، تكشف أن الكراهية في تركيا لم تعد موجّهة نحو جماعة محددة، بل أصبحت آلية حكم تُعيد تعريف “المواطنة” على أساس الولاء السياسي.

