كشف تقرير “الحرية في العالم 2026” الصادر عن منظمة فريديم هاوس عن استمرار التراجع الحاد في مستوى الحريات السياسية والمدنية في تركيا، حيث صُنّفت البلاد ضمن فئة “غير حرة” للعام الثامن على التوالي، لتبقى الدولة الأوروبية الوحيدة ضمن هذا التصنيف منذ عام 2018.
وأشار التقرير إلى أن تركيا سجلت انخفاضاً تراكمياً في تقييمها العام بلغ 33 نقطة منذ عام 2005، وهو تراجع يعادل ما شهدته دول مثل بوركينا فاسو والسلفادور، ما يعكس تحولات عميقة في بنية النظام السياسي خلال العقدين الماضيين.
انهيار ضمانات المحاكمة العادلة: أدنى مستوى عالمي
أبرز ما سجله التقرير هو حصول تركيا على أدنى تقييم ممكن فيما يتعلق بالحق في الإجراءات القانونية الواجبة، في مؤشر يُعد من الركائز الأساسية للعدالة وسيادة القانون.
ويربط التقرير هذا الانهيار بتراكم سياسات مركزية السلطة في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، إلى جانب تصاعد الإجراءات القمعية بحق المعارضين.
ويعود التدهور، وفق التقرير، إلى مرحلة بدأت ملامحها بالظهور منذ عام 2014، حين شهدت المؤسسات القضائية والأمنية عمليات إعادة هيكلة واسعة شملت نقل آلاف القضاة وأفراد الشرطة والمدعين العامين، ما أضعف استقلالية هذه المؤسسات.
ما بعد 2016: توسيع نطاق الملاحقات القضائية
تسارعت وتيرة التراجع عقب محاولة الانقلاب في 2016، حيث لجأت السلطات إلى فتح ملفات قضائية واسعة النطاق، استندت في كثير من الحالات إلى أدلة وُصفت بالضعيفة أو إلى شهادات سرية. كما تم احتجاز عدد كبير من المتهمين لفترات طويلة دون محاكمة، في ممارسات أثارت انتقادات حقوقية متزايدة.
ويؤكد التقرير أن سجن المعارضين السياسيين والصحفيين المستقلين والنشطاء أصبح نمطاً متكرراً، ما أدى إلى تدهور بيئة الحريات العامة بشكل غير مسبوق.
قضية إمام أوغلو: اختبار لنزاهة القضاء
سلّط التقرير الضوء على قضية رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع كأبرز منافسي أردوغان. وأعرب عن شكوك جدية بشأن إمكانية حصوله على محاكمة عادلة، بعد توقيفه في مارس 2025 بتهم وصفت بأنها “محل شك”.
وتأتي هذه القضية في سياق سياسي حساس، حيث يواجه إمام أوغلو اتهامات بالفساد يعتبرها منتقدوه ذات دوافع سياسية، تهدف إلى إبعاده عن المنافسة في الانتخابات العامة المقررة في 2028.
ملف اللاجئين: تقليص الحماية القانونية
لم يقتصر التراجع على المجال السياسي والقضائي، بل امتد إلى سياسات الهجرة، حيث أشار التقرير إلى قيام السلطات التركية بإلغاء تدريجي للحماية التي كانت ممنوحة لنحو 2.4 مليون لاجئ سوري مسجلين في البلاد، ما أثار مخاوف بشأن أوضاعهم القانونية والإنسانية.
تراجع شامل في مؤشرات الحريات
يأتي هذا التقييم في إطار اتجاه أوسع وثّقته مؤشرات دولية متعددة، أظهرت تراجعاً مستمراً في مجالات حرية الصحافة، والحريات الرقمية، واستقلال القضاء، وسيادة القانون في تركيا خلال السنوات الأخيرة.
وعلى الصعيد العالمي، أشار التقرير إلى أن أكثر من خمسين دولة شهدت تراجعاً في مستويات الحرية خلال العام الماضي، مع تركّز الانخفاضات بشكل خاص في الدول المصنفة “حرة جزئياً”، ما يعكس أزمة أوسع في مسار الديمقراطية عالمياً.
خلاصة
يعكس تقرير “الحرية في العالم 2026” تدهوراً عميقاً في بنية الحريات وسيادة القانون في تركيا، مع وصول ضمانات المحاكمة العادلة إلى أدنى مستوياتها. وتبقى القضايا السياسية البارزة، وعلى رأسها ملف أكرم إمام أوغلو، اختباراً حاسماً لمستقبل العدالة والنظام الديمقراطي في البلاد.

