كشف تقرير حديث صادر عن مجلس أوروبا أن تركيا باتت من أكثر البيئات عدائية للعمل الصحفي في أوروبا، في ظل ارتفاع عدد الصحفيين المسجونين وتزايد الملاحقات القضائية والاعتداءات الجسدية وعمليات الرقابة.
ويشير التقرير، الذي أعدته منصة حماية الصحافة وسلامة الصحفيين التابعة للمجلس، إلى أن تركيا تعد من بين الدول الأوروبية التي تسجل أكبر عدد من التنبيهات المرتبطة بانتهاكات حرية الإعلام، وهي تنبيهات تشمل الاعتقالات والاعتداءات الجسدية والمحاكمات والقيود على البث الإعلامي.
الصحفيون المسجونون وتدهور التعددية الإعلامية
بحسب المعطيات الواردة في التقرير، يوجد في تركيا 24 صحفياً خلف القضبان، ما يضع البلاد ضمن الدول الأوروبية الأعلى من حيث عدد الصحفيين المعتقلين.
وترى المنصة أن هذه المؤشرات تعكس تراجعاً ملحوظاً في حرية الصحافة والتعددية الإعلامية، مع اتساع استخدام الأدوات القانونية والإدارية لملاحقة الصحفيين والمؤسسات الإعلامية.
سياق سياسي متوتر بعد اعتقال إمام أوغلو
يربط التقرير تصاعد الضغوط على الصحافة بالتطورات السياسية الداخلية في تركيا، وخاصة بعد اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في مارس 2025 بتهم فساد.
ويُنظر إلى إمام أوغلو على نطاق واسع باعتباره أبرز منافس سياسي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فيما يرى منتقدون أن القضية ذات دوافع سياسية وتهدف إلى إبعاده عن المنافسة في الانتخابات العامة المقررة عام 2028.
الاحتجاجات والقيود على التغطية الإعلامية
أثار اعتقال إمام أوغلو موجة احتجاجات واسعة في عدة مدن تركية، غير أن السلطات واجهت تلك الاحتجاجات بسلسلة إجراءات أمنية وإعلامية مشددة.
وخلال تغطية التظاهرات التي شهدتها البلاد في مارس 2025، تعرض عدد من الصحفيين للاعتقال أو الاعتداء. فقد تم توقيف ما لا يقل عن 11 صحفياً خلال مداهمات فجراً، فيما تعرض 12 صحفياً آخرين للضرب على أيدي الشرطة أثناء تغطية الاحتجاجات في 23 مارس من العام نفسه.
دور هيئة تنظيم البث في تضييق التغطية
برز دور هيئة تنظيم الإعلام التركية المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون (RTÜK) في فرض قيود واسعة على التغطية الإعلامية.
فقد منعت الهيئة القنوات التلفزيونية من بث مشاهد الاحتجاجات، ولوحت بإلغاء تراخيص القنوات التي تخالف التعليمات. كما فرضت خلال النصف الأول من عام 2025 غرامات مالية بلغت نحو 100 مليون ليرة تركية، إلى جانب قرارات تعليق بث وعقوبات إعلامية.
وشملت هذه الإجراءات حجب بث قناة Sözcü TV لمدة عشرة أيام، إضافة إلى وقف بث قناة Tele1 لمدة خمسة أيام.
اعتداءات جسدية وتهديدات ضد الصحفيين
سجل التقرير سلسلة من الاعتداءات الجسدية والتهديدات التي استهدفت صحفيين خلال العام. وكان من أبرز الحوادث مقتل الصحفي البيئي هاكان توسون إثر اعتداء عنيف، بينما لا تزال التحقيقات في القضية جارية.
كما تعرض عدد من الصحفيين الآخرين، بينهم آيشمدن أكين وإسماعيل آري وعليجان أولوداغ ورابيا أونفر وشوله آيدن ومراد أغريل، لاعتداءات جسدية وتهديدات بالقتل ومضايقات، في ما وصفه التقرير بنمط أوسع من الترهيب الممنهج ضد الصحافة.
الضغوط القضائية والاعتقالات
استمرت الضغوط القضائية عبر التحقيقات والمحاكمات التي أدت إلى اعتقالات أو احتجاز احتياطي.
ومن بين الحالات التي أوردها التقرير احتجاز الصحفي فرقان كاراباي لأكثر من مئة يوم على ذمة التحقيق بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي اعتبرتها السلطات مسيئة لمسؤولين حكوميين ولرئيس الجمهورية.
كما أُودع الصحفي البارز فاتح ألطايلي السجن بعد تصريحات تناولت أحداثاً تاريخية قالت النيابة إنها تضمنت تهديداً للرئيس.
صحفيون أجانب تحت الضغط
لم تقتصر الإجراءات على الصحفيين الأتراك، إذ طالت أيضاً مراسلين أجانب.
فقد اعتُقل الصحفي السويدي يواكيم ميدين في إسطنبول أثناء توجهه لتغطية الاحتجاجات المرتبطة باعتقال إمام أوغلو، ووجهت إليه تهم تتعلق بالانتماء إلى منظمة إرهابية وإهانة الرئيس. وظل محتجزاً لأكثر من شهر قبل الإفراج عنه.
كما احتجزت السلطات مراسل BBC الصحفي مارك لوين لمدة 17 ساعة قبل ترحيله من البلاد، بعد أن اعتبرت السلطات أنه يشكل تهديداً للنظام العام.
ملاحقات قضائية للمؤسسات الإعلامية
امتدت الضغوط أيضاً إلى المؤسسات الإعلامية. فقد وُجهت ملاحقات قضائية لستة من العاملين في مجلة LeMan الساخرة بسبب رسم كاريكاتيري، حيث وُضع خمسة منهم قيد الحبس الاحتياطي قبل الإفراج عنهم لاحقاً مع فرض رقابة قضائية.
كما أشار التقرير إلى اعتقال الصحفي مردان يانارداغ، رئيس تحرير قناة TELE1 المعارضة، بتهم تتعلق بالتجسس، إضافة إلى تعيين وصي إداري على المؤسسة الإعلامية.
مخاوف من تشريع جديد حول “وكلاء النفوذ”
تزامنت هذه التطورات مع مناقشة مشروع قانون يطلق عليه اسم “قانون وكلاء النفوذ”، والذي قد يسمح للسلطات بتصنيف الأفراد أو المؤسسات التي تتلقى دعماً أجنبياً باعتبارها تعمل لصالح مصالح خارجية.
ويرى مراقبون أن مثل هذا التشريع قد يفتح المجال لمزيد من الضغوط على وسائل الإعلام والمنظمات المدنية.
تدخل سياسي في الإعلام العام
أثار التقرير كذلك مخاوف بشأن استقلالية الإعلام الرسمي في تركيا. فقد أظهر مؤشر التعددية الإعلامية لعام 2025 أن تركيا تحتل المرتبة الثالثة بين الدول الأكثر عرضة لخطر التدخل السياسي في البث العام.
ويشير التقرير إلى أن استقلالية هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية TRT تراجعت تدريجياً منذ عام 2018، بعد إدخال تعديلات قانونية وضعت إدارة المؤسسة وتعييناتها تحت إشراف مباشر للرئاسة.
منصة أوروبية لرصد الانتهاكات
تأسست منصة حماية الصحافة وسلامة الصحفيين التابعة لمجلس أوروبا عام 2015، وتضم 15 منظمة دولية معنية بحرية الإعلام. وتعمل المنصة على مراقبة التهديدات التي تواجه الصحفيين في الدول الأعضاء بالمجلس، إضافة إلى إصدار تنبيهات بشأن الانتهاكات التي تطال حرية الصحافة.
خلاصة
يظهر التقرير الأوروبي أن البيئة الإعلامية في تركيا تشهد تراجعاً ملحوظاً مع ارتفاع الاعتقالات والاعتداءات والقيود القانونية على الصحافة. وترتبط هذه التطورات بسياق سياسي متوتر وتصاعد الضغوط على المعارضة والإعلام المستقل.

