أعاد حادث تحطم طائرة عسكرية ليبية قرب العاصمة التركية أنقرة فتح نقاش واسع حول أبعاده المحتملة، بعدما تجاوزت تداعياته الإطار الإنساني لتدخل في صلب التوازنات الإقليمية والعلاقات التركية–الليبية، وسط تصاعد تساؤلات عن توقيته وسياقه السياسي.
حادث جوي في لحظة سياسية حساسة
وقع الحادث عقب إقلاع طائرة رجال أعمال من طراز “داسو فالكون 50” من مطار أسنبوغا في أنقرة، متجهة إلى العاصمة الليبية طرابلس. وعلى متنها كان رئيس أركان الجيش في حكومة الوحدة الوطنية الليبية الفريق أول ركن محمد علي أحمد الحداد، إلى جانب أربعة مسؤولين ليبيين وثلاثة من أفراد الطاقم التركي.
وبحسب المعطيات المتاحة، أبلغت الطائرة عن عطل كهربائي وطلبت هبوطًا اضطراريًا قبل أن تختفي من شاشات الرادار أثناء محاولتها العودة، لتنتهي الرحلة بتحطم أسفر عن مقتل جميع من كانوا على متنها.
تحقيقات فنية مفتوحة ومعطيات أولية
السلطات التركية أعلنت العثور على مسجلات قمرة القيادة وبيانات الرحلة، وبدأت فرق فنية متخصصة تحليلها للوقوف على أسباب الحادث. كما يجري التدقيق في الوضع القانوني والتقني للطائرة، التي تبيّن أنها مستأجرة ومسجلة خارج تركيا، مع فحص سجلها الفني وملكية تشغيلها.
ورغم تداول روايات غير مؤكدة عن مشاهدة وميض أو سماع دوي قرب لحظة فقدان الاتصال، لم تصدر حتى الآن أي نتائج رسمية تثبت وجود انفجار أو عمل عدائي، فيما لا تزال الرواية الرسمية تركز على الطوارئ الكهربائية التي أبلغ عنها الطيار.
تلميحات سياسية تشعل الجدل
الجدل تصاعد بعد تصريحات لزعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، الحليف الرئيسي للرئيس رجب طيب أردوغان، الذي لفت الانتباه إلى “توقيت” الحادث أكثر من تفاصيله، واصفًا إياه بالمثير للقلق في ظل تنامي التنسيق بين أنقرة وطرابلس.
هذه الإشارة، التي جاءت بصيغة غير مباشرة، فُهمت في الأوساط السياسية والإعلامية التركية على أنها تلميح لاحتمال وجود شبهة غير اعتيادية، دون توجيه اتهام صريح، ما فتح الباب واسعًا أمام تأويلات تتحدث عن تخريب محتمل.
ليبيا: خسارة مفصلية وحزن رسمي
في طرابلس، وُصفت وفاة رئيس الأركان بأنها خسارة وطنية كبرى. وأعلنت حكومة الوحدة الوطنية الحداد العام، معتبرة أن الراحل كان شخصية جامعة في مؤسسة عسكرية تعاني من انقسام مزمن.
ويأتي ذلك في بلد ما زال يعيش حالة انقسام سياسي وعسكري منذ سقوط نظام معمر القذافي، حيث تسيطر حكومة الوحدة على غرب البلاد، في مقابل إدارة منافسة في الشرق مدعومة من المشير خليفة حفتر.
البعد التركي–الليبي في قلب الحدث
لا ينفصل الحادث عن السياق الاستراتيجي للعلاقات بين أنقرة وطرابلس. فتركيا تُعد الداعم الخارجي الأبرز لحكومة الوحدة، وتحافظ على وجود عسكري واستشاري في ليبيا بموجب اتفاقات أُبرمت خلال الحرب على طرابلس بين عامي 2019 و2020.
وكان الوفد الليبي قد زار أنقرة لإجراء مباحثات دفاعية تهدف إلى توسيع التعاون العسكري، في وقت صادق فيه البرلمان التركي، قبل يوم واحد من الحادث، على تمديد مهمة القوات التركية في ليبيا لعامين إضافيين.
توازنات شرق المتوسط تدخل المشهد
تزامن الحادث مع تطورات إقليمية لافتة، أبرزها قمة ثلاثية جمعت إسرائيل واليونان وقبرص في القدس، وأسفرت عن إعلان مشترك وخطة تعاون عسكري وأمني في شرق المتوسط، شملت ملفات الطاقة والبنية التحتية.
ويرى محللون أتراك أن الشراكة التركية–الليبية تمثل ركيزة أساسية في استراتيجية أنقرة البحرية، خصوصًا في ضوء اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، الذي يتعارض مع مطالب يونانية وقبرصية.
هذا التداخل الزمني دفع بعض الأصوات في الإعلام التركي إلى التساؤل عمّن قد يستفيد سياسيًا من إضعاف هذا المحور، دون تقديم أدلة ملموسة على صلة مباشرة بين القمتين والحادث.
بين الشكوك والوقائع
حتى اللحظة، لم تعلن السلطات التركية عن أي دليل يثبت تعرض الطائرة لهجوم أو عمل تخريبي. ويؤكد المسار الرسمي للتحقيق أن النتائج ستُبنى على المعطيات التقنية وتحليل بيانات الرحلة، بعيدًا عن الاستنتاجات السياسية أو الإعلامية.
غير أن تراكب الأحداث الإقليمية، وحساسية موقع الضحايا، جعلا من الحادث أكثر من مجرد واقعة طيران، ليصبح جزءًا من نقاش أوسع حول الصراع على النفوذ في شرق المتوسط وليبيا.

