عاد ملف التضخم في تركيا إلى صدارة النقاش الاقتصادي والسياسي بعد صدور بيانات شهر تشرين الأول/أكتوبر، التي كشفت مجددًا عن الفجوة العميقة بين الأرقام الرسمية الصادرة عن هيئة الإحصاء التركية، وتقديرات مجموعة أبحاث التضخم المستقلة.
وبينما تُصرّ الحكومة على أن معدلات الأسعار تحت السيطرة، تشير الأرقام المستقلة إلى صورة أكثر قتامة، ما يثير تساؤلات حول مدى مصداقية الإحصاءات الرسمية وانعكاسها الحقيقي على معيشة المواطنين.
الأرقام الرسمية: انخفاض نسبي لا يبدّد المخاوف
بحسب البيانات التي أعلنتها هيئة الإحصاء التركية، بلغ معدل التضخم في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2.55% على أساس شهري، لترتفع نسبة التضخم التراكمية خلال الأشهر العشرة الأولى من العام إلى 28.63%.
أما المعدل السنوي، فقد استقر عند 32.87%، وهو رقم تعتبره الحكومة “ضمن المسار المتوقع” في ظل سياسات مكافحة التضخم التي يقودها البنك المركزي منذ بداية العام.
الهيئة أوضحت أن الارتفاع الأكبر في الأسعار سُجّل في فئة السلع الغذائية والمشروبات غير الكحولية بنسبة سنوية بلغت 34.87%، تلتها فئة النقل بزيادة قدرها 27.33%، ثم فئة السكن التي قفزت أسعارها بنسبة 50.96%.
وأشارت الهيئة إلى أن مساهمة هذه الفئات الثلاث في التضخم العام بلغت على التوالي 8.44% للغذاء، و4.34% للنقل، و7.75% للسكن.
تضخم مفرط وواقع مختلف
في المقابل، أعلنت مجموعة أبحاث التضخم (ENAG) نتائج مؤشرها الخاص المعروف باسم E-TÜFE، والذي أظهر أن الأسعار ارتفعت في أكتوبر بنسبة3.74% مقارنة بالشهر السابق، فيما بلغ التضخم السنوي 60%.
هذا الفارق الكبير بين المؤشرين – الرسمي والمستقل – يعكس، بحسب الخبراء، اتساع الهوة بين ما ترصده الدولة عبر منهجيتها التقليدية، وبين التغير الفعلي في الأسعار داخل الأسواق المحلية.
مجموعة أبحاث التضخم تعتمد على نظام مراقبة الأسعار اللحظي من آلاف نقاط البيع في أنحاء تركيا، وتؤكد أن مؤشرات الزيادة في المواد الغذائية، والإيجارات، والخدمات العامة تفوق بكثير ما تُظهره البيانات الرسمية.
الغذاء والسكن في صدارة الغلاء
البيانات التفصيلية الرسمية أظهرت أن الارتفاع الأكبر في الأسعار تركز في السلع الأساسية التي تمس حياة المواطنين مباشرة، وعلى رأسها المواد الغذائية، التي تواصل تسجيل زيادات شهرية متراكمة رغم محاولات الحكومة ضبط الأسعار عبر برامج الدعم والأسواق الشعبية.
أما في قطاع السكن، فقد ساهمت أزمة الإيجارات، وارتفاع تكاليف الطاقة، ورسوم الصيانة في زيادة الضغط على ميزانيات الأسر، لتتحول تكاليف المعيشة إلى أحد أبرز أوجه الاستياء الشعبي.
وفي المقابل، تراجع نسبيّ في أسعار النقل بفعل استقرار أسعار الوقود خلال الشهر الماضي، لكنه لم يكن كافيًا لتخفيف الأعباء العامة على المستهلكين.
السياق الاقتصادي: بين سياسات البنك المركزي وتحديات السوق
البيانات الجديدة تأتي في ظل استمرار البنك المركزي في سياسة رفع أسعار الفائدة لمحاصرة التضخم، وهي الخطوة التي تدافع عنها الحكومة باعتبارها “ضرورية لتحقيق استقرار الأسعار” على المدى المتوسط.
لكن محللين يرون أن الإجراءات النقدية وحدها لا تكفي، إذ تتأثر الأسعار بعوامل أخرى، منها ضعف العملة الوطنية، واستمرار العجز التجاري، والضغوط الجيوسياسية التي تؤثر في حركة الاستثمارات.
كما يلاحظ أن الفجوة المتزايدة بين الإحصاءات الرسمية وتقديرات المنظمات المستقلة تعمّق فقدان الثقة في المؤسسات الحكومية، وتزيد من حدة الجدل داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية حول مدى شفافية إدارة الملف المالي.
الانعكاسات الاجتماعية والسياسية
ارتفاع الأسعار في المواد الأساسية، ولا سيما الغذاء والإيجار، يدفع قطاعات واسعة من المجتمع إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، وسط مؤشرات على تراجع القدرة الشرائية للأسر ذات الدخل المحدود.
ويأتي ذلك في وقت تحاول فيه الحكومة الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، عبر برامج دعم جديدة ومعاشات محدثة، غير أن استمرار التضخم في مستويات مرتفعة يحدّ من أثر هذه الإجراءات.
الجدل بين الأرقام الرسمية والمستقلة بات أيضًا قضية سياسية، إذ تعتبر المعارضة أن السلطات تستخدم البيانات الرسمية لتجميل الواقع الاقتصادي، فيما تصر الحكومة على أن المؤشرات المستقلة تفتقر إلى المنهجية العلمية المعترف بها.

