تشهد العلاقات بين تركيا وفنلندا تطورًا لافتًا في ملف طلبات تسليم المطلوبين، وسط جدل قانوني وسياسي متزايد حول طبيعة هذه الطلبات وحدود مشروعيتها. ففي ظل ارتفاع عدد طلبات التسليم المقدمة من أنقرة، تتعالى أصوات خبراء ومؤسسات حقوقية تحذر من توظيف هذا المسار القضائي في ملاحقة معارضين سياسيين، خاصة أولئك المرتبطين بما يُعرف بـحركة كولن.
سياق متصاعد: أرقام تكشف التحول
وفق معطيات نشرتها مؤسسة ستوكهولم للحرية نقلًا عن هيئة البث الفنلندية Yle، تقدمت أنقرة بطلب تسليم 12 شخصًا من فنلندا خلال عام 2025، مقارنة بـ7 طلبات في العام السابق. هذا الارتفاع الملحوظ يعكس، بحسب مراقبين، تحولًا في وتيرة التعاطي التركي مع الدول الأوروبية في ملاحقة معارضيها خارج الحدود.
وتشير الوثائق إلى أن غالبية هذه الطلبات تستند إلى اتهامات تتعلق بالانتماء أو الارتباط بحركة الخدمة، وهي تهم ترى فيها أنقرة تهديدًا للأمن القومي، بينما يعتبرها منتقدون ذات طابع سياسي أكثر من كونها جنائية.
الخلفية السياسية: من تحقيقات الفساد إلى ما بعد الانقلاب
يعود أصل هذا المسار إلى الأزمة التي تفجرت عقب تحقيقات الفساد في ديسمبر 2013، والتي طالت مقربين من الرئيس رجب طيب أردوغان. وقد اعتبر أردوغان تلك التحقيقات مؤامرة تقف خلفها حركة الخدمة، التي تستلهم فكر الراحل فتح الله كولن.
وفي مايو 2016، صنّفت الحكومة التركية الحركة كمنظمة إرهابية، قبل أن تتصاعد الحملة ضدها بشكل غير مسبوق عقب محاولة الانقلاب في يوليو من العام نفسه، والتي تتهم أنقرة الحركة بالوقوف خلفها، وهو ما تنفيه الأخيرة بشكل قاطع.
معايير الاتهام: من النشاط المدني إلى “الإرهاب”
تُظهر الوثائق أن بعض طلبات التسليم تستند إلى مؤشرات مثيرة للجدل، مثل امتلاك حساب في بنك آسيا (الذي أُغلق لاحقًا)، أو استخدام تطبيق بايلوك، أو حتى الاشتراك في صحيفة زمان.
هذه المعايير، التي تعتمدها السلطات التركية كأدلة على “الانتماء التنظيمي”، تُقابل بانتقادات واسعة في الأوساط القانونية الأوروبية، حيث يُنظر إليها كأنشطة مدنية أو قانونية لا ترقى إلى مستوى الجرائم الجنائية، فضلًا عن غياب أدلة على تورط الأفراد في أعمال عنف.
موقف فنلندا: سيادة القانون في مواجهة الضغوط
تتبنى فنلندا نهجًا حذرًا في التعامل مع هذه الطلبات، مستندة إلى منظومتها القانونية التي ترفض تسليم أي شخص إذا لم تكن التهم الموجهة إليه تُعد جريمة وفق القانون الفنلندي، أو إذا كان هناك خطر من تعرضه للاضطهاد السياسي.
وقد رفضت المحاكم الفنلندية بالفعل عددًا من الطلبات، من بينها قضية شخص متهم بالارتباط بـحزب العمال الكردستاني، بعد تقييم احتمال تعرضه للاضطهاد. كما رُفض طلب آخر استند إلى انتقادات سياسية للرئيس أردوغان، باعتبار أن حرية التعبير لا تُعد جريمة تستوجب التسليم.
ومن اللافت أن فنلندا تلقت 15 طلب تسليم من دول خارج الاتحاد الأوروبي في عام 2025، لم يُنفذ منها سوى طلب واحد فقط، يتعلق بمواطن أوروغوياني مدان بجريمة جنسية، ما يعكس تشددًا واضحًا في تطبيق المعايير القانونية.
البعد الجيوسياسي: الناتو كعامل مؤثر
يرى الباحث في المعهد الفنلندي للشؤون الدولية، توني ألارانتا، أن هذا التصاعد قد يكون مرتبطًا بانضمام فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي، حيث تعهدت هلسنكي بتعزيز التعاون مع أنقرة في مكافحة الإرهاب.
ويشير ألارانتا إلى احتمال أن تكون تركيا تسعى للاستفادة من هذا الإطار السياسي الجديد لتسهيل عمليات التسليم، معتبرًا أن بعض الطلبات تندرج ضمن ما وصفه بـ”حملة مطاردة واسعة” تستهدف معارضين سياسيين لا علاقة لهم بأنشطة عنيفة.
إشكالية التسييس: بين القانون والسياسة
تسلط هذه التطورات الضوء على إشكالية أعمق تتعلق بتداخل القانوني والسياسي في ملفات التسليم الدولي. ففي حين تؤكد أنقرة أن تحركاتها تستند إلى ضرورات أمنية، ترى أطراف أوروبية أن هذه الطلبات تعكس نمطًا من الملاحقة العابرة للحدود، قد يهدد مبادئ العدالة وحقوق الإنسان.
كما يطرح هذا الملف تساؤلات حول مستقبل التعاون بين تركيا والدول الأوروبية، خاصة في ظل تباين المعايير القانونية وتزايد الحساسية تجاه قضايا اللجوء السياسي والحريات المدنية.

