في أكتوبر 2022، أقرّ البرلمان التركي قانونًا حمل اسم “تعديل قانون الصحافة وبعض القوانين الأخرى”، وذلك بمبادرة من نواب حزب العدالة والتنمية وبدعم من حزب الحركة القومية ضمن تحالف “الجمهور”. ومنذ طرحه، واجه القانون اعتراضات واسعة من الصحفيين وقطاعات من الرأي العام، الذين وصفوه بـ“قانون الرقابة” أو “قانون تقييد الإعلام”.
ورغم هذه الانتقادات، دافع مسؤولون في السلطة عن القانون، من بينهم نائب رئيس حزب الحركة القومية فتي يلدز، الذي صرّح في فبراير 2026 بأن القانون “لا يستهدف الصحفيين ولا العمل الصحفي”.
المادة 217/A: النص القانوني ومجال التطبيق
أُضيفت المادة 217/A إلى قانون العقوبات التركي ضمن هذا التشريع، ونصّت على تجريم “نشر معلومات مضللة علنًا”، حيث يعاقب من يقوم بنشر معلومات يعلم بعدم صحتها بهدف إثارة الخوف أو القلق أو الذعر بين الناس، إذا تعلقت هذه المعلومات بالأمن الداخلي أو الخارجي، أو النظام العام، أو الصحة العامة.
وتنص العقوبة على السجن لمدة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات.
من التشريع إلى التطبيق: استهداف الصحفيين
على الرغم من التأكيدات الرسمية بأن القانون لا يستهدف الصحافة، أظهرت الوقائع منذ دخوله حيّز التنفيذ اتجاهًا مغايرًا. إذ تشير المعطيات إلى فتح تحقيقات بحق ما لا يقل عن سبعين صحفيًا خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2022 حتى مارس 2026، استنادًا إلى المادة نفسها.
وخلال هذه الفترة، تعرّض خمسة عشر صحفيًا للاحتجاز، من بينهم مراسل صحيفة “بيرغون” إسماعيل أري، فيما انتهى الأمر بأربعة صحفيين إلى السجن الاحتياطي.
كما فُتحت سبع وعشرون قضية ضد صحفيين، في إطار استخدام هذه المادة القانونية، وهو ما يعكس اتساع نطاق تطبيقها في المجال الإعلامي.
تأثيرات مباشرة على العمل الصحفي
أدّت هذه الإجراءات إلى تغيير ملموس في طبيعة عمل الصحفيين، حيث بات كثير منهم يقضون جزءًا كبيرًا من وقتهم في أروقة المحاكم أو مراكز الشرطة بدلًا من العمل الميداني أو داخل غرف الأخبار.
هذا التحول عزّز مناخ الضغط والخوف داخل المؤسسات الإعلامية، خاصة المعارضة منها، وطرح تساؤلات حول حدود حرية التعبير في ظل التوسّع في تفسير مفهوم “المعلومات المضللة”.
سياق أوسع: جدل حول تسييس القضاء
تأتي هذه التطورات في إطار أوسع من الجدل حول استقلالية القضاء في تركيا، حيث يرى منتقدون أن بعض مواد قانون العقوبات تُستخدم كأدوات للضغط على المعارضين، وليس فقط لضبط المجال العام.
وفي هذا السياق، اعتُبرت المادة 217/A امتدادًا لهذا التوجه، إذ وفّرت، بحسب معارضين، غطاءً قانونيًا لتجريم محتوى إعلامي قد يكون صحيحًا، من خلال تصنيفه كـ“مضلل”.
قراءة في المسار العام
تكشف المعطيات المتراكمة منذ 2022 عن فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي الذي ينفي استهداف الصحفيين، والواقع العملي الذي يشهد ملاحقات قانونية متزايدة بحقهم.
كما تعكس هذه الحالة توترًا مستمرًا بين متطلبات الأمن والنظام العام من جهة، وضمان حرية الصحافة والتعبير من جهة أخرى، في ظل بيئة سياسية وقانونية شديدة الحساسية.
خلاصة
القانون الذي قُدّم بوصفه أداة لمكافحة التضليل، تحوّل في التطبيق إلى عنصر ضغط على الصحفيين، مع تصاعد التحقيقات والقضايا. المشهد يعكس إشكالية أعمق تتعلق بتوازن هش بين الأمن وحرية الإعلام في تركيا.

