تشهد الساحة الرقمية في تركيا موجة جديدة من القيود بعد خطوة اتخذتها منصة «إكس» بحجب حساب جديد للصحفية التركية المخضرمة أمبرين زمان داخل البلاد، في أعقاب حظر سابق طال حسابها الأساسي بأمر قضائي.
وتكشف هذه الخطوة عن نمط متسع من التدخلات القانونية التي تستهدف صحفيين وشخصيات سياسية معروفة، وتعيد فتح النقاش حول كيفية تنفيذ القانون التركي المنظم للمحتوى الإلكتروني وحدود الامتثال الذي تُبديه الشركات الرقمية العالمية.
حجب متكرر واستفسار بلا إجابة
أعلنت أمبرين زمان أن حسابها الجديد على «إكس» أصبح محجوباً داخل تركيا، رغم أنه أُنشئ بعد تعطيل حسابها الرئيسي أواخر العام الماضي. وطالبت المنصة بتوضيح سبب الحجب، مشيرة إلى أن الأمر يتجاوز قراراً قضائياً واحداً نحو نمط أكثر اتساعاً من القيود الممنهجة.
وتعد زمان من أبرز المراسلين المتخصصين في الشأن التركي والإقليمي، وتعيش في الخارج منذ سنوات بعد تعرضها لضغوط سياسية وإعلامية محلية.
إطار قانوني يتيح الحجب… وتفسير قضائي متسع
يعتمد القضاء التركي في قراراته على قانون تنظيم الإنترنت رقم 5651، الذي يسمح بحجب الحسابات أو المحتوى داخل البلاد لأسباب تُصنّف في نطاق الأمن القومي، أو النظام العام، أو مكافحة الإرهاب، أو منع الأخبار المضللة.
وقد استُخدم هذا القانون في نهاية 2024 لحجب حساب زمان الأساسي، قبل أن يُطبّق مجدداً ضد حسابها الجديد.
من استثناء قانوني إلى ممارسة واسعة
يرى صحفيون يعيشون في المنفى أن هذا الإطار القانوني بات يُستخدم بصورة ممنهجة ضد الأصوات الناقدة، حيث يُعاد حجب الحسابات الجديدة بمجرد ظهورها، حتى عندما لا تكون هناك منشورات بعد تستدعي مراجعة قضائية.
استهداف الصحفيين في الخارج: حالة جوهري جوفين نموذجاً
الصحفي الاستقصائي التركي جوهري جوفين يؤكد أنه يواجه ظروفاً مشابهة؛ إذ يتم تعليق أي حساب جديد ينشئه بمجرد استخدام اسمه الحقيقي. ويشير إلى أن ذلك يعكس التزام المنصة بقيود تتجاوز أوامر القضاء، وتقترب من حظر دائم غير معلن على بعض الصحفيين المعارضين.
وتكثفت القيود على حسابات جوفين قبل الانتخابات الرئاسية 2023، ثم خلال موجة واسعة من الحجب في 2024، ما رسّخ الانطباع لدى صحفيين آخرين بأن الآلية باتت روتينية لا استثنائية.
إمام أوغلو تحت المقصلة الرقمية
لا تتوقف عمليات الحجب عند الصحفيين. فقد تعرضت حسابات رئيس بلدية إسطنبول المسجون، أكرم إمام أوغلو، لسلسلة متتابعة من قرارات حظر داخل تركيا استناداً إلى بند الأمن القومي نفسه.
وشمل الحجب حسابه الرئيسي في أبريل 2025، ثم حسابه باللغة الإنجليزية في مايو، قبل أن تُعطّل ثلاثة حسابات جديدة لحملته الانتخابية في نوفمبر بقرارات قضائية متزامنة.
حضور خارجي متاح… ولكن محدود
رغم أن الحسابات المحجوبة تبقى متاحة خارج تركيا، يشير صحفيون إلى أن منشوراتهم لم تعد تصل إلى المتابعين في الخارج بصورة طبيعية، وهو ما يصفونه بـ”المنع الخفي” الذي يعكس تراجعاً في ظهور محتواهم ضمن خوارزميات إكس.
تعاون المنصات الرقمية مع أنقرة
تشير تقارير حقوقية حديثة إلى أن «إكس» امتثلت لمعظم الطلبات القانونية الواردة من السلطات التركية في النصف الثاني من 2024، وسط انتقادات ترى أن هذه النسبة المرتفعة تشجّع على توسيع نطاق الرقابة الرقمية الانتقائية داخل البلاد، خصوصاً عندما تستهدف شخصيات ذات تأثير إعلامي أو سياسي واسع.
وتأتي هذه التطورات في لحظة سياسية داخلية مشحونة، تشهد سجالات حول الحدود الفاصلة بين الأمن القومي وحرية التعبير، وبين تطبيق القانون وتوسيع أدوات الضغط على الأصوات المعارضة في الداخل والخارج.

