شهدت الساحة الاقتصادية والقضائية في تركيا تطورًا لافتًا بعد خضوع رئيس جمعية الصناعيين ورجال الأعمال الأتراك (TÜSİAD)، أورهان توران، ورئيس مجلس الاستشارات العليا في الجمعية عمر عارف أراس، للتحقيق أمام القضاء، على خلفية تصريحات أدليا بها خلال الجمعية العامة للمنظمة بتاريخ 13 فبراير.
أفضت تلك التحقيقات إلى فرض حظر سفر عليهما كإجراء احترازي، بعد هجوم شنه الرئيس رجب طيب أردوغان قائلا: “لا أحد فوق القانون”، متهمًا جمعية توسياد السعى لتوجيه الحكومات من خلف الأبواب على مدى عقود طويلة، مما أثار جدلًا واسعًا حول حرية التعبير وتأثير القضاء على مناقشات الشأن الاقتصادي.
السياق القانوني للقضية
فتحت النيابة العامة في إسطنبول تحقيقًا ضد توران وأراس، بتهمة “محاولة التأثير على القضاء” و”نشر معلومات مضللة علنًا”، وذلك بسبب ما اعتُبر انتقادات موجهة لمسار التحقيقات والمحاكمات الجارية في البلاد. وعليه، تم استدعاؤهما إلى النيابة العامة، حيث أدليا بإفاداتهما قبل أن يُعرضا على القاضي المناوب في محكمة الصلح الجنائية، والتي قررت منعهما من السفر خارج تركيا كإجراء احترازي.
تفاصيل التحقيق وإفادات المعنيين
خلال جلسة التحقيق، دافع أورهان توران عن موقفه، موضحًا أن عمله يتطلب تنقلًا مكثفًا بين دول عديدة نظرًا لطبيعة أنشطته التجارية، حيث تُصدّر شركته إلى نحو 80 دولة، مما يستوجب مشاركته في زيارات رسمية وتنظيم لقاءات اقتصادية دولية، بعضها تحت رعاية وزارة التجارة التركية.
كما أشار توران إلى خططه المستقبلية لزيارة الصين والولايات المتحدة خلال شهري مارس وأبريل، في إطار تطوير مبادرات متعلقة بالذكاء الاصطناعي وربط رواد الأعمال الأتراك بنظرائهم العالميين، مطالبًا برفع حظر السفر المفروض عليه، مشددًا على استعداده للتعاون الكامل مع السلطات القضائية.
من جانبه، أكد عمر عارف أراس أن تصريحاته لم تكن تهدف إلى نشر معلومات خاطئة أو التأثير على القضاء، بل جاءت في سياق نقاش اقتصادي عام حول الإصلاحات الضرورية لتحسين بيئة الأعمال في تركيا.
وأوضح أراس أن حديثه تطرق إلى مواضيع محورية مثل سيادة القانون، وجودة التعليم، وتعزيز حقوق المرأة، ودعم ريادة الأعمال، والإجراءات اللازمة لدفع عجلة التنمية الاقتصادية، مشيرًا إلى أن كل ما قاله كان بمثابة تحليل اقتصادي بحت وليس محاولة للتأثير على أي قرارات قضائية.
محاولات لدحض الاتهامات وإثبات حسن النية
في دفاعه، لفت أراس إلى سجله المهني الطويل، حيث يعمل في القطاع المصرفي منذ 40 عامًا، ويشغل منذ 15 عامًا منصب رئيس مجلس إدارة بنك QNB، الذي يضم 15 ألف موظف وله علاقات وثيقة مع مؤسسات مالية دولية، لا سيما في قطر ودول أخرى. وأوضح أنه لطالما كان عنوانه وعمله معروفين للجميع، ولم يسبق أن تورط في أي أنشطة مشبوهة، مما يجعل قرار منعه من السفر غير مبرر، وفق تعبيره.
خلفيات وأبعاد القضية
تُعد هذه القضية جزءًا من مناخ التوتر المتزايد بين السلطات التركية والمجتمع الاقتصادي، إذ يرى البعض أن الإجراءات القضائية ضد كبار رجال الأعمال تأتي في إطار محاولات للحد من أي انتقادات علنية للوضع الاقتصادي في البلاد. كما يُخشى أن ينعكس هذا التصعيد سلبًا على مناخ الاستثمار ويزيد من قلق المستثمرين المحليين والدوليين بشأن استقرار البيئة الاقتصادية والقانونية في تركيا.
في المقابل، تدافع الجهات الرسمية عن إجراءاتها، معتبرة أن تصريحات توران وأراس لم تكن مجرد تحليلات اقتصادية، بل تضمنت إشارات قد تؤثر على نزاهة القضاء، وهو ما دفع النيابة العامة إلى التدخل وفقًا للصلاحيات الممنوحة لها.
الخطوة التالية: انتظار قرارات قضائية جديدة
من المنتظر أن تواصل المحاكم النظر في طلبات رفع حظر السفر المفروض على توران وأراس، وسط ضغوط متزايدة من الأوساط الاقتصادية لإعادة تقييم هذه القرارات. وفي الوقت نفسه، تبقى التساؤلات قائمة حول مدى تأثير هذه التطورات على مستقبل الحوار بين قطاع الأعمال والسلطات، وعلى مدى استعداد الحكومة لتبني مقاربة أكثر انفتاحًا تجاه انتقادات رجال الأعمال للسياسات الاقتصادية.

