تعود قضية البنك الحكومي التركي خلق بنك إلى واجهة النقاش مجددًا بعد الكشف عن اتفاق محتمل مع السلطات الأمريكية لإنهاء واحدة من أطول القضايا القضائية التي أثرت على العلاقات بين أنقرة وواشنطن. وفي خضم هذه التطورات، أثار المدير التنفيذي السابق للبنك محمد هاكان أتيلا جدلًا جديدًا بتصريحات اعتبر فيها أن لإسرائيل دورًا مؤثرًا في مسار القضية منذ بدايتها.
تصريحات أتيلا: القضية سياسية وبصمات إسرائيل حاضرة
قال أتيلا إن ملف الملاحقة القضائية ضد البنك التركي لم يكن قضية قانونية بحتة، بل حمل أبعادًا سياسية واضحة. وأكد أن ما وصفه بـ“التأثير الإسرائيلي” كان حاضرًا منذ انطلاق التحقيق وحتى المراحل الأخيرة من الملف.
وأوضح أن القضية “بدأت بتأثير إسرائيلي وانتهت بإسرائيل”، معتبرًا أن جميع الأطراف التي تابعت القضية يمكنها ملاحظة هذا الدور خلال مختلف مراحلها، دون أن يقدم تفاصيل إضافية حول طبيعة ذلك التأثير.
كما أشار إلى أن الاتفاق الأخير بين الولايات المتحدة والبنك التركي قد يكون جاء نتيجة تفاهمات جرت بين وزارتي خارجية البلدين، لافتًا إلى أن تفاصيل تلك التفاهمات غير معروفة للرأي العام، وأنه من غير الواضح في النهاية لصالح من صيغت التسوية.
خلفية القضية: اتهامات بتجاوز العقوبات على إيران
تعود جذور القضية إلى اتهامات وجهها الادعاء الأمريكي إلى خلق بنك بمساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات الأمريكية. وبحسب لائحة الاتهام التي قُدمت عام 2019، فقد ساعد البنك في تمرير مليارات الدولارات عبر النظام المالي الدولي لصالح طهران.
وتشير الاتهامات إلى أن جزءًا من العائدات النفطية الإيرانية جرى إخفاؤه على هيئة مدفوعات مقابل مواد غذائية وسلع إنسانية، بينما استُخدمت شركات واجهة وعمليات تجارة الذهب لتجاوز القيود المفروضة على إيران.
قضية رضا ضراب وشهادة حاسمة في المحكمة
ارتبط التحقيق ارتباطًا وثيقًا بمحاكمة تاجر الذهب التركي-الإيراني رضا زراب الذي أقرّ بالجريمة عام 2017 في تهم تتعلق بالاحتيال المصرفي وغسل الأموال والتآمر. وبعد اعترافه، تعاون مع السلطات الأمريكية وأدلى بشهادة ضد أتيلا أمام محكمة فدرالية في نيويورك.
وفي عام 2018 أدانت المحكمة الأمريكية أتيلا بتهم الاحتيال المصرفي والتآمر، ليقضي معظم حكم بالسجن لمدة 32 شهرًا في الولايات المتحدة قبل عودته إلى تركيا عام 2019، حيث واصل نفيه لأي مخالفة قانونية.
تسوية محتملة تنهي سنوات من النزاع القضائي
التطور الأبرز في القضية يتمثل في التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وخلق بنك لإنهاء الدعوى الجنائية. ولا يزال الاتفاق بحاجة إلى موافقة القاضي الفدرالي ريتشارد بيرمان قبل دخوله حيز التنفيذ.
وبموجب الترتيبات المقترحة، سيلتزم البنك بعدم إجراء أي معاملات مالية قد تفيد إيران، كما سيخضع لرقابة مستقلة لمراجعة التزامه بقواعد مكافحة غسل الأموال والامتثال للعقوبات الدولية.
ومن اللافت أن الاتفاق لا يتضمن فرض غرامة مالية على البنك، على أن يتم إسقاط التهم الجنائية في حال التزامه الكامل بمتطلبات المراقبة.
الموقف الأمريكي: تشديد مكافحة تمويل الإرهاب
من جهته أكد المدعي العام الأمريكي جاي كلايتون أن الاتفاق يشكل خطوة مهمة في جهود واشنطن لمكافحة تمويل الإرهاب ومنع الدعم المالي لإيران.
وجاء الإعلان عن التفاهم في سياق إقليمي شديد التوتر، في ظل الحرب التي اندلعت بعد الضربات المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في أواخر فبراير، وما أعقبها من ردود عسكرية إيرانية في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط.
أبعاد دبلوماسية وقضائية معقدة
لم تقتصر القضية على بعدها القانوني، بل تحولت إلى أحد أبرز ملفات التوتر بين الولايات المتحدة وتركيا، وهما حليفان في حلف شمال الأطلسي.
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد انتقد مرارًا القضية، معتبرًا أنها غير قانونية وتحمل دوافع سياسية.
كما مرت القضية بمحطات قانونية معقدة، أبرزها نظر المحكمة العليا الأمريكية فيها عام 2023، حيث قضت بأن القوانين التي تحمي الحكومات الأجنبية من المسؤولية المدنية لا تمنع بالضرورة ملاحقتها جنائيًا، ما سمح باستمرار الإجراءات القضائية ضد البنك.
انعكاسات اقتصادية فورية
أدى الإعلان عن التسوية المحتملة إلى رد فعل سريع في الأسواق المالية التركية، إذ ارتفعت أسهم خلق بنك المدرجة في بورصة إسطنبول بنسبة 10 بالمئة، وهو الحد الأقصى المسموح به للارتفاع اليومي في السوق.
موقف البنك التركي
أكد البنك أنه لا يعترف بارتكاب أي مخالفة جنائية، لكنه يرى أن الاتفاق المقترح سيضع حدًا نهائيًا للقضية التي استمرت سنوات طويلة وأثرت على سمعته وعلى العلاقات الاقتصادية بين تركيا والولايات المتحدة.
خلاصة
تقترب قضية البنك التركي في الولايات المتحدة من التسوية بعد سنوات من النزاع القضائي والتوتر الدبلوماسي، بينما أعادت تصريحات المدير السابق للبنك الجدل حول الأبعاد السياسية والدولية للملف. وتبقى الموافقة القضائية النهائية الخطوة الحاسمة لإغلاق أحد أكثر القضايا حساسية بين أنقرة وواشنطن.

