في حادثة مأساوية جديدة شهدتها منطقة عملية المخلب – القفل شمال العراق، استشهد خمسة جنود أتراك وأُصيب 14 آخر بحالات اختناق بعد تعرضهم لغاز الميثان داخل مغارة خلال عملية تمشيط واستطلاع. وبينما أعلنت وزارة الدفاع التركية أن العدد الإجمالي للمتأثرين بالغاز بلغ 19 عسكريًا، تصاعدت الاتهامات بوجود “سلسلة من الإهمالات”، في ظل تساؤلات عما إذا كان يمكن تفادي هذه الكارثة.
الوقائع: ما الذي حدث داخل المغارة؟
وفق بيان وزارة الدفاع، وقعت الحادثة أثناء تنفيذ وحدات كوماندوز عملية بحث عن جثمان أحد الشهداء الذي قُتل في وقت سابق، وهو الملازم أول نوري مليح بوزقورت، حيث تم إرسال فرقة خاصة إلى مغارة في المنطقة يشتبه بأنها كانت تستخدم من قبل عناصر حزب العمال الكردستاني.
لكن ما لم يكن بالحسبان هو وجود تراكم قاتل لغاز الميثان داخل المغارة، ما أدى إلى فقدان خمسة من الجنود لحياتهم اختناقًا، فيما أُصيب 14 آخر بدرجات متفاوتة، بعضهم نُقل إلى المستشفى العسكري في ديار بكر.
الميثان: القاتل الصامت
رغم أن غاز الميثان ليس سامًا بحد ذاته، إلا أن خبراء يؤكدون أنه يصبح قاتلًا في حال أدى إلى انخفاض مستويات الأوكسجين داخل أماكن مغلقة. م.خ، مهندس تعدين تحدّث لصحيفة سوزجو، شدد على أن “الميثان يصبح مميتًا عندما يزيح الأوكسجين من المكان، ما يؤدي إلى الاختناق، خاصةً في حال عدم وجود تهوية كافية أو أجهزة استشعار.”
وأضاف: “في كل عملية استطلاع داخل أماكن مغلقة كالأنفاق والمغارات، يجب أن تُستخدم كاشفات غاز، وتُجهز البيئة بوسائل تهوية، إضافةً إلى توزيع أقنعة تنفس خاصة. لم نرَ أي إشارة في بيان وزارة الدفاع إلى استخدام هذه التجهيزات، وهذا ما يدفع للتساؤل: هل كانت الكارثة نتيجة إهمال؟”
المغارات ومخاطر الغاز: خطر معروف مسبقًا
يحذر الخبراء من أن المغارات بطبيعتها معرضة لتراكم غازات مثل الميثان، وأن هذا الخطر معروف في الأدبيات العسكرية والأمنية. بل إن القوات المسلحة التركية تمتلك كتيبات إرشادية “خاصة بالخدمة” توضح بالتفصيل الإجراءات التي يجب اتخاذها أثناء العمليات داخل المغارات.
ومن بين أبرز التدابير التي تنص عليها هذه التعليمات تأمين محيط المغارة ومخارجها الثانوية، وإجراء استطلاع مسبق باستخدام طائرات بدون طيار وكاميرات حرارية، واستخدام كلاب بوليسية وخبراء متفجرات للكشف عن الألغام والفخاخ، فحص الغازات باستخدام أجهزة كشف، وتوفير أقنعة تنفس عند الضرورة، والتقدم التدريجي داخل المغارة وعدم الدخول بشكل جماعي، وضمان الإضاءة الكافية والاتصال الدائم، إضافة إلى
وضع خطة انسحاب سريعة في حالات الطوارئ.
وبناءً عليه، تتجه أصابع الاتهام إلى احتمال عدم الالتزام بهذه البروتوكولات، خصوصًا فيما يتعلق برصد الغازات وتأمين التهوية.
ردود فعل غاضبة ومطالبات بالشفافية
أثارت الحادثة غضبًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث طالب كثيرون وزارة الدفاع بإصدار توضيح شفاف حول ما جرى. وكتب أحد المستخدمين: “هل فقدنا شهداءنا ونحن نعلم مسبقًا أن الغاز متوقع في المغارات؟ هذا إهمال لا يغتفر إن ثبت.”
ويرى مراقبون أن الغموض الذي يكتنف بعض تفاصيل الحادثة يزيد من الشكوك حول مدى تطبيق الإجراءات الوقائية، خاصة أن هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها القوات التركية لحوادث داخل مغارات بسبب الغاز أو الفخاخ.
تسليم جثامين الشهداء وبيانات المستشفيات
تم إبلاغ عائلات الشهداء رسميًا في مدنهم، حيث خيم الحزن على البيوت التركية في كل من إزمير، وأكسراي، ومالاطيا وغيرها.
ماذا بعد؟
بينما أعلنت وزارة الدفاع أنها بدأت “تحقيقًا موسعًا” في الحادثة، لا تزال تساؤلات الرأي العام دون إجابة. هل تم فعلاً تفعيل أجهزة كشف الغاز؟ هل اتُّخذت تدابير السلامة كما ينبغي؟ والأهم: هل يمكن أن تتكرر مثل هذه الكوارث في ظل الإهمال وعدم الشفافية؟
المراقبون يرون أن الشفافية، ومحاسبة المسؤولين إن وُجد تقصير، خطوة أولى لمنع تكرار المأساة، واستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات العسكرية.

