بدأت هولندا عامًا سياسيًا جديدًا مع تولي روب ييتن، البالغ من العمر ثمانية وثلاثين عامًا، رئاسة الوزراء، ليصبح أصغر من شغل هذا المنصب في تاريخ البلاد.
الحكومة الجديدة، التي وُصِفت بأنها أكثر جرأة من حيث الأجندة الدفاعية والاقتصادية، تشكّلت بعد مفاوضات ائتلافية امتدت زهاء أربعة أشهر، وهي فترة قصيرة نسبيًا في المقاييس السياسية الهولندية، حيث استغرقت حكومات سابقة أكثر من سبعة أشهر للتشكيل الكامل.
ائتلاف غير مكتمل يسعى إلى الاستقرار
تتشكل الحكومة من تحالف ثلاثي يضم حزب الديمقراطيين الستة والستين الوسطي (D66) الذي يتزعمه ييتن، إلى جانب حزب الشعب للحرية والديمقراطية (VVD) والحزب الديمقراطي المسيحي (CDA). وبرغم هذا التوافق، يواجه الائتلاف تحديًا كبيرًا إذ لا يمتلك أغلبية برلمانية، إذ لا تتجاوز مقاعده في مجلس النواب خمسًا وستين مقعدًا من أصل مئة وخمسين، مما يفرض عليه بناء جسور تفاهم مع المعارضة لتمرير القوانين الأساسية.
ديلان يشيلغوز… من رحلة اللجوء إلى قيادة الدفاع
من أبرز وجوه الحكومة الجديدة التركية المولد ديلان يشيلغوز زغريوس، التي تتولى حقيبة الدفاع إلى جانب مسؤولياتها كنائب لرئيس الوزراء وزعيمة لحزبها الليبرالي (VVD). يشيلغوز، التي وُلدت في أنقرة عام 1977 لعائلة كردية تركية، وصلت إلى الأراضي الهولندية في طفولتها بعد رحلة لجوء محفوفة بالمخاطر عبر بحر إيجه.
ورغم أنها كثيرًا ما أشادت بسياسات اللجوء التي سمحت لها ببناء مسيرتها في هولندا، فإنها باتت اليوم من أبرز الداعين إلى تشديد سياسات الهجرة وتقليص طلبات اللجوء، وهو تحول يعكس تغير أولويات حزبها في ظل أزمات الهجرة الأوروبية المتكررة. وتجربتها على رأس وزارة العدل والأمن خلال الأزمة الحكومية لعام 2023 بشأن سياسات الهجرة أكسبتها سمعة سياسية حادة تجمع بين البراغماتية والصرامة.
التحول نحو الدفاع: أولوية قصوى
الملف الدفاعي يمثل محور الثقل في البرنامج الحكومي. فقد أعلنت الحكومة التزامها بزيادة الإنفاق الدفاعي بقيمة ضخمة تُقدَّر بتسعة عشر مليار يورو خلال الأعوام المقبلة، ورفع مخصصات الدفاع تدريجيًا إلى ما يعادل ثلاثة فاصل خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول منتصف العقد القادم، مع إمكانية أن يتجاوز ذلك النسبة الرسمية ليصل إلى حدود خمسة في المئة إذا شملت النفقات الأمنية الموسعة.
وتطمح الحكومة إلى تثبيت هذه النسبة قانونيًا، بحيث تصبح ملزمة للحكومات اللاحقة. ويأتي هذا التوجه في ظل تدهور البيئة الأمنية العالمية وتصاعد التوترات الإقليمية داخل أوروبا الشرقية والبحر الشمالي، فضلاً عن التحولات في مواقف الاتحاد الأوروبي إزاء الاعتماد الدفاعي الذاتي وتقاسم الأعباء داخل حلف شمال الأطلسي.
تمويل الطموحات العسكرية على حساب المظلة الاجتماعية
غير أن الزيادة الكبيرة في النفقات الدفاعية تأتي بثمن اجتماعي واضح. فالحكومة الجديدة تعتزم خفض الإنفاق على الخدمات الصحية والضمان الاجتماعي ورفع سن التقاعد تدريجيًا. وتشير تقديرات مؤسسات بحثية هولندية إلى أن الفئات ذات الدخل المنخفض ستكون الأكثر تضررًا من هذه الإجراءات، ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة الحكومة على الحفاظ على العدالة الاجتماعية وسط تجاذبات سياسية متوقعة في البرلمان والمجتمع.
مجتمع متنوع يبحث عن توازن جديد
يأتي هذا التحول الاقتصادي في وقت تشهد فيه هولندا تباطؤًا في النمو السكاني الذي لم يتجاوز عُشر نقطة مئوية خلال العام المنصرم، حيث بلغ عدد السكان أكثر من ثمانية عشر مليون نسمة بقليل. ويعود هذا النمو المحدود بشكل شبه كامل إلى الهجرة، ما يجعل ملف الاندماج الاجتماعي أحد أكثر القضايا حساسية.
في هذا السياق، يشدد المراقبون على أن استدامة الحكومة تعتمد على قدرتها في تعزيز التماسك الاجتماعي وضمان شعور فئات المجتمع المختلفة بالانتماء المتبادل، لاسيما الأجيال الشابة من أصول مهاجرة. وتؤكد التحليلات أن سياسات التعليم وسوق العمل ستلعب دورًا حاسمًا في تحقيق هذا الهدف، إلى جانب دعم الشراكات بين الحكومة المركزية والبلديات ومنظمات المجتمع المدني.
المشاركة والديمقراطية بين الطموح والواقع
الخطاب السياسي الجديد في لاهاي يدعو إلى توسيع مفهوم المشاركة الديمقراطية بحيث يتجاوز صناديق الاقتراع إلى آليات التشاور الدائم وصناعة القرار المشترك. ومع أن هذا الطرح يعكس إدراكًا متزايدًا بأهمية الشفافية والحوار، فإن تطبيقه في ظل حكومة أقلية قد يضع القيادة أمام اختبارات متكررة بين الواقعية السياسية واستعادة الثقة المجتمعية.
ملامح مرحلة جديدة
المشهد الجديد في هولندا يقف عند تقاطع حساس بين التحول الدفاعي العميق والبحث عن توازن اجتماعي مستدام. فبينما يسعى رئيس الوزراء الشاب ييتن إلى ترسيخ صورته كقائد إصلاحي يوازن بين الأمن والعدالة، يبقى نجاح الحكومة مرهونًا بقدرتها على تحويل الخطاب الشامل إلى واقع ملموس وسط انقسامات سياسية واجتماعية لم تزل قائمة.
الخلاصة
تدخل هولندا مرحلة سياسية دقيقة تجمع بين الانفتاح الإصلاحي والطموح العسكري في آن واحد، فيما يشكّل الحفاظ على التماسك الاجتماعي التحدي الأكبر أمام الحكومة الجديدة. قدرة لاهاي على المزج بين الدفاع القوي والمجتمع المنصف ستحدد ملامح العقد الهولندي المقبل.

