في محطة سياسية لافتة، زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان القاهرة حيث عقد لقاءً رسميًا مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، انتهى بتوقيع حزمة واسعة من اتفاقيات الشراكة، في خطوة تعكس انتقال العلاقات الثنائية من مرحلة تطبيع حذر إلى تعاون مؤسسي متعدد المستويات.
الزيارة حملت دلالات تتجاوز البعد الثنائي، لتؤشر إلى تقارب في الرؤى إزاء أزمات إقليمية ملتهبة تمتد من غزة إلى السودان، مرورًا بالملف الإيراني.
من القطيعة إلى الشراكة
العلاقات بين أنقرة والقاهرة كانت قد دخلت مرحلة جمود طويلة عقب إطاحة الجيش المصري بالرئيس الراحل محمد مرسي عام 2013، وهو ما دفع أردوغان آنذاك إلى تبني خطاب قطيعة كامل مع القيادة المصرية. غير أن هذا المشهد بدأ يتغير تدريجيًا منذ عام 2023، مع سلسلة لقاءات واتصالات متبادلة أسست لمسار تطبيع متدرج، تُرجم بتبادل الزيارات الرسمية وتوقيع اتفاقيات تعاون شملت قطاعات حساسة، من بينها المجال الدفاعي.
اتفاقيات موسعة وأرقام لافتة
خلال الزيارة، وقّع وزراء من البلدين ثماني عشرة اتفاقية تعاون غطّت مجالات الدفاع، والسياحة، والصحة، والزراعة، إلى جانب قطاعات أخرى. وأكد السيسي، في مؤتمر صحفي مشترك، أن حجم التبادل التجاري بين البلدين اقترب من تسعة مليارات دولار، ما يجعل مصر الشريك التجاري الأول لتركيا في القارة الإفريقية، في مؤشر على عمق المصالح الاقتصادية المتبادلة.
تقارب سياسي في الملفات الإقليمية
على الصعيد السياسي، برز تقاطع واضح في المواقف بشأن الحرب في غزة، حيث يشكل البلدان معًا نصف الكتلة الوسيطة في الهدنة القائمة. واتفق الزعيمان على ضرورة تنفيذ جميع مراحل اتفاق التهدئة الذي ترعاه الولايات المتحدة، مع رفض أي محاولات للالتفاف عليه أو عرقلة تطبيق الخطة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. كما شددا على أهمية حشد دعم دولي عاجل لجهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في القطاع.
السودان بين الهدنة والحل الشامل
في الملف السوداني، عبّر الجانبان عن دعمهما للجيش السوداني في مواجهته مع القوات شبه العسكرية، وأكدا السعي نحو هدنة إنسانية تفتح الطريق أمام وقف دائم لإطلاق النار ومسار سياسي شامل، في ظل التدهور الإنساني المتسارع في البلاد.
إيران والدعوة إلى خفض التصعيد
اللقاء تناول كذلك التوترات الإقليمية الأوسع، ولا سيما ما يتعلق بالملف النووي الإيراني. السيسي دعا إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة عسكرية، والعمل على دفع الحلول الدبلوماسية بما يمنع اتساع رقعة الصراع. من جانبه، حذر أردوغان من مخاطر التدخلات الخارجية، معتبرًا أن الحوار يظل الخيار الأمثل لمعالجة الخلافات مع طهران، في وقت تتكثف فيه الاتصالات الدولية حول هذا الملف.
تنسيق أمني في القرن الإفريقي
الزعيمان أكدا أيضًا دعمهما لوحدة الأراضي الصومالية في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وأدانا الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي. ويأتي هذا الموقف ضمن ما يصفه مراقبون بتشكل محور أمني إقليمي آخذ في التبلور، يضم إلى جانب مصر وتركيا دولًا أخرى، من بينها السعودية.
تعاون دفاعي يتجاوز البيع إلى التصنيع
في بعده العملي، يشمل التقارب العسكري اتفاقًا سابقًا لتزويد مصر بطائرات مسيّرة تركية متقدمة، إلى جانب خطط مشتركة لتصنيعها، ما يعكس انتقال التعاون الدفاعي من مستوى التوريد إلى الشراكة الإنتاجية.
سياق إقليمي أوسع للزيارة
زيارة أردوغان للقاهرة جاءت بعد توقفه في الرياض، في إطار جولة إقليمية تزامنت مع اتصالات أميركية–إيرانية كان من المقرر أن تستضيفها تركيا قبل أن تطلب طهران نقلها إلى سلطنة عُمان، ما يضفي على التحركات الدبلوماسية التركية بعدًا إقليميًا متشابكًا.
الخلاصة
زيارة أردوغان إلى القاهرة تمثل نقطة تحول في العلاقات التركية–المصرية، حيث انتقل الطرفان من المصالحة السياسية إلى بناء شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد. التقارب يعكس إعادة تموضع إقليمي في مواجهة أزمات متداخلة، مع رهان مشترك على التنسيق السياسي والدبلوماسي.

