يشهد المشهد السياسي التركي حراكاً متجدداً حول مسار التسوية مع حزب العمال الكردستاني، في ظل نقاشات برلمانية متقدمة وتطورات إقليمية متسارعة. غير أن هذا المسار يصطدم بعقدة مركزية تتمثل في وضع مؤسس الحزب المعتقل عبد الله أوجلان، الذي ترى قيادة حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (DEM) أن حريته أو على الأقل إعادة تعريف وضعه القانوني تمثل شرطاً لا يمكن تجاهله لأي تسوية حقيقية.
أوجلان في قلب المعادلة السياسية
يقبع عبد الله أوجلان في سجن جزيرة إمرالي منذ عام 1999، بعدما أدين بعقوبة السجن المؤبد المشدد. وبينما تصنف تركيا وحلفاؤها الغربيون حزب العمال الكردستاني تنظيماً إرهابياً، فإن الحزب المؤيد للأكراد في الداخل التركي يعتبر أن أي مبادرة سلام لا يمكن أن تستثني أوجلان من معادلتها القانونية والسياسية.
الرئيس المشترك للحزب، تونجر باكيرهان، شدد على أنه من غير المنطقي الحديث عن سلام مع الإبقاء على أوجلان في الظروف ذاتها، مؤكداً أن “دعوا السلام يتحقق ويبقى أوجلان كما هو” صيغة لا تنسجم مع فلسفة التسوية، ولن تحظى بقبول شريحة واسعة من المجتمع. واعتبر أن أي حل يتطلب خطوات قانونية واضحة، وفي مقدمتها إدراج مفهوم “الحق في الأمل”، المستند إلى المعايير الأوروبية لحقوق الإنسان، والذي يتيح لمن يقضون أحكاماً مؤبدة مشددة فرصة واقعية للإفراج بعد فترة طويلة من السجن.
لجنة برلمانية ومفهوم “الحق في الأمل”
النقاش يدور حالياً داخل البرلمان التركي عبر لجنة “التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية”، التي تقترب من إنهاء تقريرها. وقد أُعد مشروع نص أولي من قبل مجموعة عمل خماسية تمثل الأحزاب المشاركة في اللجنة، وأُحيل إلى ممثلي الأحزاب للمراجعة.
النقطة الأكثر حساسية في التقرير المرتقب تتمثل فيما إذا كان سيتضمن صياغة واضحة تتعلق بمبدأ “الحق في الأمل”. باكيرهان يرى أن الإطار التشريعي المقترح يجب ألا يُفهم باعتباره تدبيراً شخصياً لأوجلان، بل تنظيماً عاماً يخدم السلم الاجتماعي، ويؤسس لصيغة تتيح ظروفاً أكثر حرية في العيش والتواصل له، في سياق أوسع يعزز المصالحة الوطنية.
لقاء أردوغان ورسائل “الإرادة المشتركة”
هذا النقاش تزامن مع لقاء جمع وفداً من حزب المساواة وديمقراطية الشعوب بالرئيس رجب طيب أردوغان. الوفد ضم النائبة برفين بولدان والبرلماني السابق مدحات سنجار، وهما مخولان بالتواصل مع أوجلان. الحزب اعتبر اللقاء تأكيداً لوجود إرادة مشتركة لمواصلة مبادرة السلام، داعياً البرلمان والوزارات والمؤسسات العامة إلى تكثيف العمل على إجراءات “ملموسة” وبناءة للثقة.
الرسالة التي حاول الحزب إبرازها تتمثل في ضرورة الانتقال من الخطاب السياسي إلى خطوات عملية، بما يخلق مناخاً يسمح بتقدم فعلي في المسار التفاوضي.
البعد السوري والعراقي وتأثيره على الداخل التركي
يتحرك هذا المسار الداخلي في ظل تطورات إقليمية حساسة، لا سيما في سوريا، حيث تنظر أنقرة إلى قوات سوريا الديمقراطية باعتبارها امتداداً لحزب العمال الكردستاني. اتفاق جرى نهاية يناير بين الحكومة السورية وهذه القوات بشأن وقف إطلاق النار والاندماج التدريجي ساهم في تهدئة التوترات التي كانت قد تصاعدت سابقاً وأثارت شكوكاً حول إمكانية استمرار المحادثات التركية.
في المقابل، أثارت تصريحات وزير الخارجية التركي حول احتمال التركيز على عناصر حزب العمال الكردستاني في العراق بعد التطورات السورية قلقاً لدى الحزب المؤيد للأكراد، الذي رأى أن مثل هذه الرسائل قد تخلق عقبات جديدة أمام جهود السلام. العراق استدعى السفير التركي على خلفية تلك التصريحات، فيما أكدت أنقرة تمسكها بالقضاء على وجود الحزب في الأراضي العراقية بالتعاون مع بغداد.
سجال الدستور والانتخابات المبكرة
على الصعيد الداخلي، نفى باكيرهان ما يتردد عن احتمال مقايضة دعم الحزب لتعديل دستوري جديد أو لترتيبات انتخابات مبكرة مقابل تنازلات في ملف أوجلان أو عملية السلام. وأكد أن الدستور لم يكن ضمن جدول المباحثات، وأن الحزب لن يلعب دور “التابع” للرئيس وحلفائه.
هذه التصريحات تعكس محاولة واضحة لفصل مسار السلام عن حسابات الاستقطاب السياسي الداخلي، في وقت تشهد فيه تركيا نقاشات متكررة حول تعديل الدستور وإعادة هندسة النظام السياسي.
تسميات متباينة ورؤية مختلفة للمبادرة
المبادرة الحالية انطلقت بدعوة من زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي في أكتوبر 2024. غير أن التسميات تكشف اختلاف الرؤى: الحكومة تروج للمسار تحت عنوان “تركيا خالية من الإرهاب”، بينما يطلق عليه حزب المساواة وديمقراطية الشعوب اسم “عملية المجتمع الديمقراطي”. هذا التباين اللفظي يعكس اختلافاً أعمق في مقاربة جذور المشكلة وأهداف الحل.
خلاصة
يتقاطع ما يسمى مسار السلام الكردي مع معادلات قانونية وسياسية وإقليمية معقدة، يبقى فيها ملف عبد الله أوجلان محورياً. نجاح المبادرة مرهون بقدرة أنقرة على التوفيق بين الاعتبارات الأمنية ومتطلبات تسوية سياسية شاملة.

