تشهد تركيا هذه الأيام منعطفاً سياسياً واجتماعياً جديداً، يتمثل في موجة احتجاجات شعبية ومقاطعات اقتصادية أثّرت بعمق على مراكز القوة في البلاد، وفي مقدمتها الإعلام الموالي للحكومة.
الكاتب التركي مراد يَتْكين سلط الضوء، في مقاله، على هذا التحول، معتبراً أن الاحتجاجات الأخيرة وما تبعها من مقاطعات، لاسيما بعد إقالة رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، تمثل نقطة تحول لا تقل أهمية عن محطات مصيرية سابقة في التاريخ التركي المعاصر.
مفترقات سياسية حاسمة في مسيرة أردوغان
استهل يتكين مقاله باستعراض أبرز اللحظات الفارقة في عهد حزب العدالة والتنمية، منها:
- مذكرة الأول من مارس 2003 الخاصة برفض الاستخدام الأمريكي للأراضي التركية على النقيض من رغبة أردوغان.
- الإنذار العسكري الإلكتروني الموجه ضد حكومة أردوغان في 27 أبريل 2007.
- احتجاجات غيزي بارك عام 2013 ضد حكومة أردوغان.
- فضيحة 17-25 ديسمبر 2014 حيث تورط فيها أفراد من عائلة أردوغان، إلى جانب رجال إعمال ذوي صلة به.
- انتخابات السابع من يونيو 2015 حيث خسر أردوغان لأول مرة قدرته على تشكيل حكومة من تحالف مع أحد الأحزاب.
- محاولة الانقلاب في 15 يوليو 2016
- حادثة إمام أوغلو في 19 مارس 2025
وأشار إلى أن جميع هذه المحطات، باستثناء احتجاجات غيزي بارك وسراج خانة، تم تجاوزها أو محوها من الذاكرة السياسية الرسمية. أما هاتان الحركتان الشعبيتان، فيرى الكاتب أنهما خلخلتا التوازن الحقيقي للسلطة، ولهذا لا يستطيع الرئيس أردوغان أن يتجاهلهما أو يتخطاهما بسهولة.
من غيزي إلى سراج خانة: المقاطعة كسلاح شعبي
اعتبر يتكين أن التظاهرات التي اندلعت بعد إقالة أكرم إمام أوغلو، والتي بلغت ذروتها في ميدان سراج خانة، لم تكن مجرد احتجاجات سياسية، بل مهّدت لظهور شكل جديد من أشكال المقاومة الشعبية: المقاطعة. فقد شملت المقاطعات هذه المرة وسائل الإعلام، والمقاهي، ومنصات التجارة الإلكترونية، وغيرها من الشركات التي يُنظر إليها على أنها مقربة من السلطة.
في هذا السياق، تحوّلت حملة مقاطعة يوم 2 أبريل إلى علامة فارقة، حيث أحدثت تأثيراً عميقاً في النظام السياسي والاقتصادي، بحسب الكاتب، لدرجة دفعت بعض الوزراء إلى النزول للأسواق ومحاولة كسر الحملة، ومنهم وزير التجارة عمر بولاط الذي دعا المواطنين إلى “تقديم موعد تسوقهم” لكسر المقاطعة.
ورغم نفي وكالة الأناضول الرسمية نجاح المقاطعة، مستخدمة بيانات نسبت إلى مركز البطاقات البنكية، إلا أن الأخير نفى لاحقاً تزويد الوكالة بأي بيانات، مما أثار اتهامات واضحة بالتلاعب الإعلامي.
ازدواجية خطاب الحكومة: من الدعوة للمقاطعة إلى تجريمها
سلّط يتكين الضوء على التناقض الواضح في موقف الحكومة، متذكّراً كيف دعا أردوغان قبل أشهر فقط إلى مقاطعة شركات تستغل الأسعار المرتفعة، واصفاً المقاطعة بأنها “حق مشروع وفعال”. لكن حينما جاء الدور على الشباب لمقاطعة منصات وشركات داعمة للسلطة، اعتبرها أردوغان “خيانة للوطن”.
كما أشار إلى المفارقة بين غض الطرف عن دعوات المقاطعة السابقة، وفتح تحقيقات اليوم بحق من يروّجون للمقاطعة ضد شركات تركية، ما يضعف من مصداقية القضاء ويعزز الشكوك حول دوافع التحقيقات ضد إمام أوغلو.
الإعلام الموالي يتصدع: مجموعة توركواز في مأزق
تطرّق مراد يتكين في القسم الأخير من مقاله إلى ما وصفه بـ”الاهتزاز العميق” الذي أصاب مؤسسات الإعلام الموالي للسلطة، لاسيما تلك التابعة لمجموعة توركواز الإعلامية (Turkuvaz Medya) التي تشمل قنوات مثل ATV وA Haber. وأوضح أن هذه المؤسسات تعاني من تراجع حاد في الإعلانات، حيث لم تعد قادرة على جذب المعلنين كالسابق، ما دفعها إلى التفكير في تغيير خطابها.
ووفقاً لمعلومات حصل عليها يتكين من مصادر داخل المجموعة، فقد طُلب من العاملين في الأقسام التحريرية والانضباطية الانتباه إلى اللغة المستخدمة، كما صدرت تعليمات باستخدام تعبيرات مثل “أتاتورك” و”القائد العظيم” بديلاً لتعبيرات كانت تُستخدم سابقاً مثل “مصطفى كمال باشا” أو “مؤسس الجمهورية”.
في الوقت نفسه، تعاني قنوات مثل 24 TV وKanal 7 من أزمة مشابهة، حيث بدأت وكالات الإعلانات ترفض التعاون معها، ما ينذر بعمليات تسريح محتملة للموظفين إذا استمرت الأزمة حتى نهاية أبريل.
المقاطعة كسلاح هادئ وفعّال
اختتم يتكين مقاله بالتأكيد على أن الشباب قد التقطوا نبض المرحلة، واستخدموا سلاحاً سلمياً وفعّالاً يتمثل في “المقاطعة” التي لا تحتاج إلى صخب أو ضجيج، بل تعمل بصمت على تقويض من تستهدفه. فإذا كانت مؤسسات مثل توركواز بدأت فعلاً بمراجعة خطابها، فهذا يعني أن السلاح أصاب هدفه، على حد تعبيره.

