يتصاعد الجدل في ولاية سامسون شمالي تركيا على خلفية خطة صناعية تقضي بتصريف نحو مليوني طن سنوياً من المخلفات غير العضوية في أعماق البحر الأسود، في مشروع تتبناه شركة “إتي باكر” المملوكة لرجل الأعمال التركي محمد جنكيز، أحد أبرز رجال الأعمال المقربين من الرئيس رجب طيب أردوغان.
المشروع، الذي طُرح ضمن إجراءات تقييم الأثر البيئي الرسمية، فجّر اعتراضات واسعة من مهندسين بيئيين، وممثلين عن نقابات مهنية، ومسؤولين محليين، وأحزاب معارضة، وسط مخاوف من تداعيات بيئية بعيدة المدى على النظام الإيكولوجي الحساس للبحر الأسود.
الإطار القانوني: تعديل تنظيمي مثير للريبة
أحد محاور الجدل الرئيسية تمثّل في تعديل أُدخل في نوفمبر 2025 على لائحة مكافحة تلوث المياه في تركيا. التعديل سمح بتصريف “النفايات غير الخطرة غير العضوية” عبر أنابيب إلى مناطق بحرية يتجاوز عمقها 250 متراً.
منتقدو المشروع ربطوا بين توقيت التعديل التنظيمي وتقدّم الشركة بطلب تقييم الأثر البيئي، معتبرين أن التغيير التشريعي مهّد الطريق عملياً لتنفيذ الخطة. وأشارت رئيسة فرع سامسون لغرفة المهندسين البيئيين، كوبرا كوتشوك، إلى أن منظمتها قدمت عشرات الأسئلة إلى الوزارة المعنية دون تلقي ردود واضحة، ما عزز الشكوك حول شفافية المسار الإداري.
الاجتماع العام الذي عُقد في مقر وزارة البيئة والتحضر والتغير المناخي في سامسون شهد إجراءات أمنية مشددة، في ظل حضور كثيف لممثلي غرف مهنية ومنصات بيئية وسياسيين معارضين، جميعهم طعنوا في الأسس العلمية والقانونية للمشروع.
طبيعة المشروع الصناعي ومسار التصريف المقترح
تدير شركة “إتي باكر” مصهراً للنحاس في منطقة تككوي على ساحل البحر الأسود في سامسون، كما تشغّل منشأة متكاملة لإنتاج الأسمدة واسترجاع المعادن في منطقة مَزيداغي بولاية ماردين، حيث يُنتج حمض الفوسفوريك المستخدم في صناعة الأسمدة.
النفايات المعنية هي كبريتات الكالسيوم، المعروفة بالجبس الصناعي، الناتجة عن معالجة صخور الفوسفات بحمض الكبريتيك لإنتاج حمض الفوسفوريك. ووفق المعطيات المقدمة في ملف المشروع، يُنتج نحو خمسة أطنان من كبريتات الكالسيوم مقابل كل طن من حمض الفوسفوريك.
الخطة تقضي بخلط هذه المخلفات بمياه البحر وضخها عبر أنبوب بحري إلى عمق يقارب 260 متراً، فيما تصفه الشركة بـ”المنطقة اللاأكسجينية” للبحر الأسود، وهي طبقة عميقة تفتقر إلى الأكسجين وتحتوي على نسب مرتفعة من كبريتيد الهيدروجين السام لمعظم الكائنات البحرية. وترى الشركة أن هذه الخصائص تجعل المنطقة أقل عرضة للتأثر البيولوجي المباشر.
حساسية البنية الطبقية للبحر الأسود
يعتمد المعترضون على الخصائص الفريدة للبحر الأسود، الذي يتميز ببنية مائية ثنائية الطبقات تحدّ من اختلاط المياه السطحية الغنية بالأكسجين بالمياه العميقة المشبعة بكبريتيد الهيدروجين.
خبراء بيئيون حذروا خلال الاجتماع من أن أي اضطراب في هذا التوازن قد يدفع بالحد الفاصل بين الطبقتين إلى الأعلى، ما قد يؤدي إلى تراجع مستويات الأكسجين قرب السواحل، وإلحاق أضرار بمصايد الأسماك، وتهيئة بيئة مواتية لظواهر التلوث البيولوجي واسعة النطاق.
عدنان كوركماز، ممثل غرفة المهندسين الكهربائيين والمتحدث باسم منصة سامسون البيئية، وصف المشروع بأنه مخاطرة مباشرة للنظام البيئي للبحر الأسود، مشدداً على أن ضخ ملايين الأطنان من ناتج صناعي سنوياً في بيئة بحرية شبه مغلقة قد يُحدث تأثيرات تراكمية يصعب عكسها.
شبح “مخاط البحر” وتجربة مرمرة
الذاكرة البيئية التركية لا تزال مثقلة بتجربة انتشار “مخاط البحر” أو “اللعاب البحري” في بحر مرمرة، الذي يربط البحر الأسود بالبحر المتوسط عبر مضيق البوسفور. فقد شكّلت تلك الظاهرة مثالاً صارخاً على تفاعل التلوث بالمغذيات مع ارتفاع درجات الحرارة، ما أدى إلى تكاثر مفرط للطحالب وإفراز طبقات لزجة كثيفة تعيق وصول الأكسجين والضوء.
منتقدو الخطة يحذرون من أن إضافة ضغوط جديدة على النظام البحري في البحر الأسود، سواء من خلال المغذيات أو التغيرات الفيزيائية في الطبقات المائية، قد ترفع من احتمالات تكرار سيناريوهات مشابهة، خصوصاً في ظل تغير المناخ واستمرار مصادر التلوث القائمة.
أبعاد سياسية واقتصادية
حضر ممثلون عن حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، جلسة النقاش، ووجّهوا انتقادات حادة للمشروع. أتيلا تكجان، نائب رئيس كتلة الحزب في مجلس بلدية سامسون، اعتبر أن المخاطر لا تقتصر على البعد البيئي بل تمتد إلى الاقتصاد المحلي، ولا سيما قطاع الصيد الذي تعتمد عليه المجتمعات الساحلية.
تكتسب القضية بعداً سياسياً إضافياً نظراً لملكية الشركة من قبل محمد جنكيز، الذي يقود تكتل “جنكيز القابضة”، أحد أكبر التكتلات الاقتصادية في تركيا، الناشط في قطاعات البناء والطاقة والتعدين والطيران والسياحة.
وارتبط اسم المجموعة بمشاريع بنية تحتية كبرى مدعومة من الدولة، كما تعرّضت لانتقادات معارضة متكررة بشأن المناقصات العامة وترتيبات خارجية أثيرت ضمن تسريبات “أوراق باندورا” عام 2021.
الالتزامات الدولية واحتمال المسار القضائي
معارضو المشروع يرون أن التعديل التنظيمي الأخير قد يتعارض مع التزامات تركيا في إطار الاتفاقيات الإقليمية لمكافحة تلوث البحر الأسود، وفي مقدمتها اتفاقية بوخارست لحماية البحر الأسود من التلوث.
ومن المنتظر أن يُرفع تقرير تقييم الأثر البيئي إلى وزارة البيئة والتحضر والتغير المناخي، التي تملك صلاحية الموافقة أو الرفض أو طلب تعديلات. وقد أعلنت مجموعات بيئية أنها ستلجأ إلى القضاء في حال صدور موافقة رسمية على المشروع.
في السياق الأوسع، يأتي الجدل في وقت تتصاعد فيه النقاشات في تركيا حول توازنات التنمية الصناعية وحماية البيئة، خصوصاً في المناطق الساحلية الحساسة، ومع ازدياد تداعيات التغير المناخي على البحار المغلقة وشبه المغلقة.
خلاصة
الخطة الصناعية لتصريف ملايين الأطنان من الجبس الصناعي في أعماق البحر الأسود فتحت مواجهة مركّبة بين اعتبارات الاستثمار الصناعي وحماية نظام بيئي هش. القرار النهائي المرتقب سيشكّل اختباراً لمدى التزام أنقرة بمبدأ الحيطة البيئية وبالتزاماتها الإقليمية تجاه حماية البحر الأسود.

