أنهت لجنة السلام البرلمانية في تركيا صياغة مسودة تقرير شامل يتضمن حزمة تعديلات قانونية مرتبطة بمسار التسوية مع حزب العمال الكردستاني، في خطوة توصف بأنها الأكثر تفصيلاً منذ انهيار عملية السلام الكردي السابقة عام 2015.
المسودة، التي أعدّها فريق صياغة خماسي يمثل مختلف الأحزاب داخل لجنة “التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية”، تنتظر تصويتاً نهائياً بعد إدخال تعديلات محدودة بالتنسيق مع رئيس البرلمان نعمان كورتولموش الذي عقد اجتماعات منفصلة مع ممثلي الأحزاب.
التقرير موزع على سبعة محاور تشمل أهداف اللجنة، والسرد التاريخي للعلاقة التركية–الكردية، وخلاصات جلسات الاستماع، وقرار حل حزب العمال الكردستاني، والمقترحات التشريعية، ومسارات “الديمقراطية والإصلاح”.
إعادة هندسة الإطار القانوني لمكافحة الإرهاب
أبرز ما تقترحه المسودة يتمثل في مراجعة شاملة لمفهوم الإرهاب في القانون التركي. فهي تدعو صراحة إلى عدم ملاحقة أي فعل غير عنيف بوصفه جريمة إرهابية، وإلى ضمان ألا تُصنَّف التعبيرات المحمية بحرية الرأي ضمن إطار الجرائم الإرهابية.
كما توصي بإعادة صياغة مواد قانون العقوبات وقانون مكافحة الإرهاب بما يتماشى مع مبدأ الوضوح القانوني، وبمراجعة تشريعات الإعلام بحيث لا تُجرَّم الآراء أو الانتقادات التي لا ترقى إلى التحريض على العنف. هذه المقترحات، إذا طُبِّقت، قد تُحدث تحوّلاً عميقاً في البنية القانونية التي شكّلت أساس ملاحقات واسعة خلال السنوات الماضية.
إنهاء نظام تعيين الأوصياء على البلديات
يتناول التقرير أحد أكثر الملفات حساسية في جنوب شرق البلاد، وهو نظام تعيين “الأوصياء” الحكوميين بدلاً من رؤساء البلديات المنتخبين، وغالبيتهم من حزب المساواة وديمقراطية الشعوب المؤيد للأكراد.
المسودة تقترح إنهاء هذا النظام، بحيث يُنتخب البديل من داخل المجلس البلدي عند إقالة رئيس البلدية لأي سبب، بدلاً من تعيينه بقرار حكومي. ومنذ عام 2016 أُقيل عشرات رؤساء البلديات المنتخبين في المدن ذات الأغلبية الكردية، ما جعل هذا الملف أحد أعمدة التوتر السياسي بين الدولة والحركة الكردية.
السجناء وتنفيذ الأحكام: إحالات ضمنية إلى “حق الأمل”
رغم أن التقرير لا يذكر صراحة الإفراج عن مؤسس حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، فإنه يتبنى صياغات قانونية تحيل إلى اجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة الدستورية التركية بشأن تنفيذ الأحكام.
أوجلان، البالغ من العمر 76 عاماً، يقضي حكماً بالسجن المؤبد المشدد في جزيرة إمرالي منذ عام 1999 بعد إدانته بقيادة تمرد مسلح. ووفق القانون التركي الحالي، لا يحق لمن حُكم عليهم بالمؤبد المشدد في جرائم ضد الدولة الاستفادة من الإفراج المشروط.
غير أن نائب رئيس حزب الحركة القومية فتي يلدز كان قد أعلن سابقاً أن جميع الأطراف اتفقت على إدراج مفهوم “حق الأمل” المستمد من اجتهادات المحكمة الأوروبية، والذي ينص على ضرورة إتاحة فرصة واقعية للإفراج بعد مدة طويلة من العقوبة.
المسودة لم تستخدم المصطلح مباشرة، لكنها أشارت بعمومية إلى ضرورة الامتثال لاجتهادات المحاكم الأوروبية، وهو ما يُفهم على أنه تضمين غير مباشر للمفهوم دون تسميته.
كما أوصت بمراجعة تشريعات تنفيذ الأحكام لجعل شروط الإفراج المشروط “أكثر عدالة وشمولاً”، والنظر في تعليق العقوبات بحق السجناء المرضى وكبار السن استناداً إلى أولوية الحق في الحياة. ودعت إلى اعتبار التوقيف الاحتياطي ملاذاً أخيراً، مع تعديل قواعد الحبس الاحتياطي بما ينسجم مع هذا المبدأ.
إعادة دمج عناصر حزب العمال الكردستاني
فيما يخص المقاتلين السابقين، تنص المسودة على إعادة إدماج من ألقوا السلاح في الحياة المدنية، ومساعدة من لم يرتكبوا جرائم على الانتقال إلى الحياة الطبيعية، على أن تُدار أوضاعهم القانونية “بشكل عادل وشفاف”.
إلا أن التقرير يشدد في الوقت ذاته على ضرورة خضوع الجميع لإجراءات قضائية رسمية، وأن أي ترتيبات قانونية يجب ألا تُنتج انطباعاً بالعفو الشامل أو الإفلات من العقاب.
ويقترح النص سن قانون مستقل بعد أن تؤكد الأجهزة الأمنية تخلي الحزب بالكامل عن السلاح، على أن يكون هذا القانون شاملاً بما يكفي لمعالجة كل تداعيات المرحلة وترسيخ أرضية للعمل السياسي الديمقراطي.
خلفية المسار: من دعوة أوجلان إلى حل الحزب
تأسست اللجنة في أغسطس عقب إعلان حزب العمال الكردستاني حل نفسه في مايو، بعد دعوة أطلقها أوجلان من سجنه في فبراير 2025 طالب فيها أتباعه بإلقاء السلاح.
الحزب الذي بدأ تمرده المسلح عام 1984 خاض صراعاً دام أربعة عقود أسفر عن أكثر من خمسين ألف قتيل، وتعتبره تركيا وحلفاؤها الغربيون منظمة إرهابية.
المبادرة تعود جذورها إلى أكتوبر 2024، حين فاجأ زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي المشهد السياسي بمصافحته نواب حزب المساواة وديمقراطية الشعوب في البرلمان، واقتراحه السماح لأوجلان بإلقاء كلمة أمام كتلته النيابية.
بهجلي، الحليف الأبرز للرئيس رجب طيب أردوغان، كان يُعد من أكثر السياسيين تشدداً حيال المسألة الكردية، ما جعل مبادرته إشارة واضحة إلى استعداد السلطة لفتح مسار جديد بعد فشل المحاولة السابقة.
مواقف الأحزاب وانتقادات المشهد
حزب الشعب الجمهوري المعارض شارك في اجتماعات اللجنة، لكنه رفض الانضمام إلى وفد حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الذي زار أوجلان في إمرالي، مبرراً ذلك بغياب الشفافية. وكان آخر وفد من الحزب قد زار أوجلان في السادس عشر من فبراير، عشية الانتهاء من صياغة المسودة.
منتقدون أشاروا إلى أن اللجنة تفتقر إلى صلاحيات تنفيذية أو آليات رقابة مستقلة، وأن مسارها يبقى مرتبطاً بالحسابات السياسية لأردوغان، خاصة في ظل حاجته إلى دعم برلماني إضافي إذا أراد تمديد رئاسته إلى ما بعد الحد الدستوري لعام 2028.
ملف كولن… الغائب عن المعالجة
أحد أبرز الانتقادات الموجهة للمسودة هو تجاهلها ملف عشرات الآلاف الذين استُهدفوا بتهم الارتباط بحركة كولن. فمنذ عام 2016، وبعد تصنيف الحركة منظمة إرهابية، أدين أكثر من 126 ألف شخص، فيما لا يزال أكثر من 11 ألفاً في السجون، وتستمر إجراءات قضائية بحق أكثر من 24 ألفاً، بينما يخضع نحو 58 ألفاً لتحقيقات نشطة. كما اضطر آلاف آخرون إلى مغادرة البلاد.
نائب حزب الديمقراطية والتقدم إدريس شاهين اعتبر أن اللجنة ملزمة دستورياً بمعالجة أوضاع هؤلاء بالتوازي مع أي ترتيبات تخص عناصر حزب العمال الكردستاني، محذراً من أن بناء مناخ سلام مستدام لا يمكن أن يتحقق بخلق ضحايا جدد.
معادلة سياسية دقيقة
المسودة تعكس محاولة توازن بين متطلبات الأمن، وضغوط الإصلاح، وحسابات التحالف الحاكم. فهي تفتح الباب أمام إعادة تعريف قانوني عميق، وتلمّح إلى معالجة وضع أوجلان ضمن إطار قضائي أوسع، لكنها تتجنب الإشارات الصريحة التي قد تفجر انقساماً سياسياً داخلياً.
في حال إقرارها، ستكون تركيا أمام اختبار جديد لقدرتها على تحويل النصوص المقترحة إلى سياسات تنفيذية، في مشهد داخلي وإقليمي شديد التعقيد.
خلاصة
المسودة البرلمانية تقترح تعديلات جوهرية تمس تعريف الإرهاب، ونظام البلديات، وتنفيذ الأحكام، مع تمهيد غير مباشر لإعادة النظر في وضع عبد الله أوجلان. غير أن نجاح المسار يبقى رهناً بإرادة سياسية حقيقية وشمولية المعالجة لجميع الملفات العالقة.

