تشير معطيات حقوقية حديثة إلى تحوّل تدريجي في سياسة أنقرة تجاه وجود الأويغور على أراضيها، مع تزايد القيود القانونية والإدارية، وصولًا إلى صدور أوامر ترحيل وعمليات نقل إلى دول ثالثة قد تنتهي بإعادتهم إلى الصين.
ويعكس هذا التحول –وفق شهادات منظمات حقوقية– تغيّرًا جوهريًا في موقع تركيا كأحد أبرز ملاذات الشتات الأويغوري في العالم.
التحول الأمني والإداري: تشديد الإقامة وإلغاء التصاريح
تُظهر التقارير أن الحكومة التركية باتت تلجأ بشكل متكرر إلى إلغاء تصاريح الإقامة للأويغور وإخضاعهم لآلية “القيود الإدارية” أو ما يُعرف بـ“رموز التقييد”. وتُدرج هذه الرموز في السجلات الرسمية دون توضيح، ما يؤدي إلى رفض طلبات الإقامة الجديدة أو إلغاء الإقامات الصالحة ورفض منح الجنسية.
ويعيش كثير من الأويغور اليوم في وضع “مهاجر غير نظامي”، نتيجة قرارات لا تتضمن حيثيات واضحة، بينما تكفي شكوى من جار، أو وجود اسم شخص في قضية جنائية انتهت بالبراءة، للوقوع تحت طائلة هذه القيود.
مراكز الاحتجاز: ضغوط لتوقيع “العودة الطوعية”
ترصد المنظمات الحقوقية ضغوطًا تمارس داخل مراكز الاحتجاز لإجبار بعض الأويغور على توقيع استمارات “العودة الطوعية”. وتحذّر هذه المنظمات من أن التوقيع يؤدي غالبًا إلى ترحيلهم إلى دول ثالثة لديها اتفاقات تسليم مطلوبين مع الصين، ما يثير مخاوف جدية من الإعادة القسرية.
وتكشف الشهادات أن بعض من طُردوا إلى هذه الدول يواجهون خطرًا حقيقيًا بالوصول لاحقًا إلى الأراضي الصينية، بما يشكل انتهاكًا واضحًا لمبدأ “عدم الإعادة القسرية”.
قرارات قضائية مثيرة للجدل: استبعاد مبدأ عدم الإعادة القسرية
تكشف البيانات أن المحاكم التركية ردّت جميع الطعون التي تقدم بها أويغور ضد قرارات الترحيل. وفي كل الحالات التي تمت مراجعتها، رأت المحاكم أن مبدأ “عدم الإعادة القسرية” غير منطبق، بحجة أن مقدمي الطلبات لم يثبتوا تعرضهم لخطر التعذيب أو سوء المعاملة عند العودة إلى الصين.
ويثير هذا النهج القضائي انتقادات حقوقية واسعة، خصوصًا أن الأمم المتحدة ومنظمات عديدة وثّقت وجود مخاطر جدية في إقليم شينجيانغ.
السياق السياسي: علاقات تركية–صينية آخذة في التقارب
يربط مراقبون هذا التحول بتطور العلاقات الاقتصادية والسياسية بين أنقرة وبكين. فمنذ عام 2022 خفّضت الحكومة التركية مستوى انتقاداتها العلنية للسياسات الصينية في شينجيانغ، بالتوازي مع ارتفاع حجم المبادلات التجارية والاستثمارات.
ويُضاف إلى ذلك الجدل المستمر حول معاهدة تسليم المطلوبين الموقعة بين البلدين عام 2017، والتي لم يصادق عليها البرلمان التركي بعد، لكنها لا تزال مصدر قلق كبير داخل المجتمع الأويغوري في تركيا. وتؤكد تقارير حقوقية أن مجرد وجود الاتفاقية يزيد التوتر والخوف بين أفراد الجالية.
خلفية إنسانية ثقيلة: من المخيمات إلى الاتهامات الدولية
يأتي هذا التطور بينما تستمر الانتقادات الدولية لتعامل بكين مع الأويغور والأقليات المسلمة. وتشير المنظمات الحقوقية إلى اعتقال ما يقارب مليون شخص في شبكة واسعة من المخيمات، إضافة إلى تقارير عن التعقيم القسري والانتهاكات الجسيمة بما في ذلك التعذيب والعنف الجنسي.
وتنفي الصين جميع هذه الاتهامات، وتصف المراكز بأنها “منشآت تدريب مهني لمكافحة التطرف”.
الشتات الأويغوري في تركيا: من الملاذ الآمن إلى حالة من عدم اليقين
تشكّل تركيا أكبر تجمع للأويغور خارج الصين، إذ تقدّر أعدادهم بنحو خمسين ألفًا، يتشاركون اللغة التركية أو القريبة منها والدين مع غالبية سكان البلاد، ما جعل تركيا لسنوات وجهة طبيعية لهم. لكن التحولات الأخيرة دفعت كثيرين إلى العيش في ظل خوف دائم من الاعتقال أو الترحيل.
وتدعو منظمات حقوقية اليوم الدول الغربية إلى إعادة النظر في تصنيف تركيا كـ “دولة ثالثة آمنة”، وتشجيع برامج لإعادة توطين الأويغور المقيمين فيها.

