أثار فتح قضيتين جنائيتين بحق طالب ثانوي يبلغ من العمر ستة عشر عاماً، على خلفية منشورات له على وسائل التواصل الاجتماعي، جدلاً واسعاً في الأوساط الحقوقية والسياسية في تركيا، في ظل تصاعد استخدام القوانين الجزائية المرتبطة بحرية التعبير، لا سيما تلك المتعلقة بإهانة رئيس الجمهورية والتحريض المجتمعي.
سبعة وعشرون يوماً خلف القضبان لقاصر
الطالب المولود عام 2009 أُوقف في الثامن من تموز 2025 بقرار صادر عن نيابة غازي عثمان باشا، بسبب محتوى نُشر على حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي. وبعد يوم واحد فقط، صدر قرار بتوقيفه احتياطياً عن محكمة الصلح الجزائية الأولى في غازي عثمان باشا، ليُنقل إلى السجن حيث أمضى سبعةً وعشرين يوماً قبل الإفراج عنه في الرابع من آب.
القرار القضائي بتوقيف القاصر أثار انتقادات إضافية بعد الكشف عن أن القاضي الذي أصدر قرار الحبس الاحتياطي شغل سابقاً منصب رئيس فرع لحزب العدالة والتنمية في قضاء أدرميت التابع لولاية باليكسير، ما فتح باب النقاش حول حياد القضاء في القضايا ذات الطابع السياسي.
الاتهام الأول: “إهانة رئيس الجمهورية”
في التاسع والعشرين من تشرين الثاني، أعدّت النيابة العامة في غازي عثمان باشا لائحة اتهام أولى بحق القاصر، طالبت فيها بمعاقبته بتهمة “إهانة رئيس الجمهورية”.
وتستند هذه اللائحة إلى تعليق كتبه الطالب أسفل منشور لمستخدم آخر على وسائل التواصل الاجتماعي، كان يتناول إعلان رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو عن حظر تطبيق واتساب. ووفقاً للادعاء، كتب القاصر تعليقاً اعتُبر مهيناً، قال فيه إن مادورو “أحد أصدقاء أردوغان المقربين” وإنهما “يأخذان بعضهما قدوة، ديكتاتوران”.
ورأت النيابة أن هذا التعليق يستوفي أركان جريمة إهانة رئيس الجمهورية. وقد قبلت المحكمة لائحة الاتهام، وحددت جلسة المحاكمة الأولى أمام محكمة الأطفال الأولى في غازي عثمان باشا يوم الجمعة الموافق السادس من آذار.
الاتهام الثاني: التحريض على الكراهية والعداء
بالتوازي مع القضية الأولى، أُعدّت لائحة اتهام ثانية بتاريخ الحادي والعشرين من تشرين الأول، تتهم القاصر بجريمة “التحريض العلني على الكراهية والعداء بين فئات الشعب”.
وتضمنت اللائحة إشارات إلى عدة منشورات نُسبت إلى الطالب، دعا فيها إلى الخروج إلى الشوارع، واعتبر أن “البلاد في خطر”، ووجّه نداءً لسكان أنقرة “للمسير نحو القصر”، مستخدماً عبارات مثل “هذا الشعب لن يخضع” و”لم يتركوا خياراً آخر سوى الثورة”.
كما شملت لائحة الاتهام تعليقاً كتبه القاصر رداً على منشور لوزير الداخلية علي يرلي كايا، انتقد فيه أداء السلطات، ودعا الوزير إلى الاستقالة الفورية، متحدثاً عن تفشي المخدرات وتدهور أوضاع الشباب.
المحكمة قبلت هذه اللائحة أيضاً، وحددت عقد الجلسة الأولى للنظر فيها أمام محكمة الأطفال الأولى في غازي عثمان باشا في اليوم ذاته.
سياق أوسع: حرية التعبير وحدودها في تركيا
تأتي هذه القضية في سياق تشهد فيه تركيا تزايداً ملحوظاً في الملاحقات القضائية المرتبطة بالتعبير السياسي على الإنترنت، بما في ذلك بحق القاصرين. كما تعكس حساسية خاصة تجاه أي خطاب ينتقد رأس السلطة التنفيذية أو يتضمن دعوات احتجاج، في ظل بيئة سياسية متوترة ونقاش متجدد حول استقلال القضاء ومعايير محاكمة الأطفال في القضايا ذات الطابع السياسي.
خلاصة
قضية الطالب القاصر تكشف عن تشابك معقّد بين قوانين حماية النظام العام وحرية التعبير، وتطرح تساؤلات جدية حول معايير التوقيف والمحاكمة عندما يكون المتهم طفلاً، وحول دور القضاء في القضايا السياسية الحساسة.

