مع اتساع رقعة المواجهة التي اندلعت عقب الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من شباط، تجد أنقرة نفسها أمام معادلة معقدة تتجاوز البعد الدبلوماسي، لتطال ركائز الاستقرار الاقتصادي والأمني والاجتماعي. فالحرب التي بدأت بهجمات مباشرة على أهداف إيرانية، قبل أن ترد طهران باستهداف إسرائيل ومواقع في الخليج، أعادت رسم خرائط المخاطر الإقليمية، ووضعت تركيا في موقع المتأثر غير المباشر بصراع متعدد الجبهات.
في العلن، أدانت أنقرة الضربات على إيران، كما انتقدت في الوقت نفسه الرد الإيراني الذي طال دولاً خليجية، داعية إلى وقف فوري لإطلاق النار وعارضة تقديم دعم دبلوماسي لمنع التصعيد. غير أن ما يدور خلف الخطاب السياسي يكشف عن قلق متنامٍ في دوائر القرار من تداعيات ممتدة قد تعيد تشكيل أولويات الدولة التركية داخلياً وخارجياً.
صدمة الطاقة: برميل النفط يضغط على الليرة والتضخم
أولى دوائر التأثير تتمثل في سوق الطاقة. فقد قفزت أسعار النفط سريعاً بعد الضربات، مع تحرك خام برنت قرب مستوى ثمانين دولاراً للبرميل. هذا المستوى، إذا استمر حتى نهاية العام، قد يضيف نحو ثمانية عشر مليار دولار إلى عجز الحساب الجاري التركي، أي ما يعادل قرابة واحد في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفق تقديرات مؤسسات مالية دولية. ويُذكر أن عجز الحساب الجاري لتركيا بلغ أكثر من خمسة وعشرين مليار دولار خلال عام 2025.
الاقتصادي التركي محفي إغيلمز حذّر من أن أي ارتفاع إضافي في أسعار النفط سينعكس مباشرة على تكاليف الوقود والنقل ومدخلات الإنتاج، ما يعني تغذية موجة تضخمية جديدة في اقتصاد لم يتعافَ بالكامل بعد من اضطرابات الأسعار وسعر الصرف. ووفق حساباته، فإن كل زيادة بمقدار عشرة دولارات في سعر البرميل قد ترفع العجز الجاري بما لا يقل عن مليارين ونصف المليار دولار، وتضيف نقطة مئوية تقريباً إلى التضخم.
الخطورة لا تكمن في الأرقام المجردة فحسب، بل في تزامنها مع حساسية الأسواق الناشئة تجاه المخاطر الجيوسياسية. ففي مثل هذه الفترات، تميل رؤوس الأموال إلى مغادرة الاقتصادات عالية المخاطر، ما يضغط على العملة المحلية ويرفع كلفة الاقتراض. وهذا يضيّق هامش المناورة أمام البنك المركزي التركي، ويعقّد أي مسار محتمل لتخفيف السياسة النقدية أو دعم الليرة دون التضحية باستقرار الأسعار.
حدود ملتهبة: الهجرة كهاجس سياسي وأمني
إذا كانت الطاقة تمثل الخطر الفوري، فإن الهجرة وعدم الاستقرار الحدودي يشكلان التهديد الأطول مدى. تركيا تتشارك مع إيران حدوداً تمتد لأكثر من خمسمئة كيلومتر، وهي بالفعل إحدى أبرز ممرات العبور في المنطقة. ورغم أن السلطات أكدت عدم وجود وضع استثنائي في المعابر الرئيسية، مع تعليق عبور المسافرين ليوم واحد فقط، فإن القلق يتصاعد من سيناريو انفلات داخلي داخل إيران.
مدير مركز الدراسات الاقتصادية والسياسة الخارجية في أنقرة سنان أولغن يرى أن الضربات الجوية وحدها لا تكفي لإطلاق موجة لجوء واسعة، إلا إذا تحولت إلى اضطرابات داخلية أو صراع أهلي شبيه بما شهدته العراق في تسعينيات القرن الماضي أو سوريا بعد عام 2011. عندها فقط قد تواجه تركيا موجة نزوح جديدة يصعب احتواؤها.
حالياً تستضيف تركيا أكثر من أربعة وسبعين ألف إيراني يحملون تصاريح إقامة، إضافة إلى نحو خمسة آلاف لاجئ مسجل. غير أن التجربة السورية، حيث تحولت موجات النزوح إلى قضية سياسية داخلية ضاغطة، تجعل أي احتمال لتكرار السيناريو مصدر قلق بالغ للسلطات وللرأي العام على حد سواء.
المعارضة تدق ناقوس الخطر: بين انتقادات إجرائية ودعوات عسكرية
الملف لم يبقَ في إطار التقديرات الأكاديمية. فقد حذّر النائب عن حزب الشعب الجمهوري مراد بكان من أن الصراع قد يفتح الباب أمام موجة هجرة غير نظامية جديدة، داعياً الجهات المعنية إلى التحرك الاستباقي. كما أثار تساؤلات بشأن رئاسة وزير الداخلية مصطفى شفتجي لاجتماع أمني حول الحدود، معتبراً أن حماية الحدود البرية من اختصاص وزارة الدفاع وقيادة القوات البرية.
أما زعيم حزب النصر القومي أوميت أوزداغ فذهب أبعد من ذلك، محذراً من أن تركيا لا تملك القدرة على استيعاب موجة لجوء جديدة، ومطالباً بإنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي الإيرانية إذا لزم الأمر، بحيث يُنظم أي جهد إنساني هناك بدلاً من عبور الحدود. تصريحاته، التي أطلقها خلال فعالية إفطار في بورصة، تعكس تصاعد الخطاب القومي المتشدد في ملف الهجرة.
سيناريو التفكك: الخطر الأكبر على الأمن القومي
التهديد لا يقتصر على اللاجئين. فالمحلل جمال كازاك حذّر من أن السيناريو الأخطر لتركيا لا يتمثل في صراع مع دولة إيرانية قائمة، بل في احتمال تفكك أو عسكرة إيران بما يؤدي إلى تآكل سلطة الدولة. في مثل هذا الوضع، قد تتحول المناطق الحدودية إلى ساحات تنافس بالوكالة، وتجد جماعات مسلحة غير دولية فرصة لتوسيع نشاطها.
من بين هذه الجماعات حزب الحياة الحرة الكردستاني PJAK، المرتبط أيديولوجياً وتنظيمياً بحزب العمال الكردستاني PKK المحظور في تركيا. أي فراغ أمني داخل إيران قد يمنح هذه التنظيمات مجالاً للحركة، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى البيئة الأمنية شرق الأناضول.
معادلة الناتو: القواعد العسكرية تحت المجهر
حساسية الموقف التركي تتضاعف بحكم عضويتها في حلف شمال الأطلسي. فوجود منشآت مثل قاعدة إنجرليك الجوية وموقع الرادار في كوريجيك يضع أنقرة في دائرة الحسابات الإيرانية، حتى وإن لم تكن طرفاً مباشراً في الضربات.
رئيس الوزراء الأسبق وزعيم حزب المستقبل أحمد داود أوغلو دعا الحكومة إلى إعلان الأراضي والمنشآت العسكرية التركية خارج أي عمليات تستهدف إيران، والمطالبة بمشاورات في إطار المادة الرابعة من ميثاق الناتو. كما شدد على ضرورة تشديد الرقابة على قاعدة إنجرليك وموقع كوريجيك تحسباً لأي تصعيد.
في المقابل، نفت رئاسة دائرة الاتصال في الرئاسة التركية مزاعم استخدام الأجواء أو القواعد التركية في الهجمات على إيران، ووصفتها بالمعلومات المضللة. ويرى أولغن أن استهداف إيران لتركيا احتمال غير واقعي في هذه المرحلة، نظراً لعضويتها في الناتو، ولأن طهران تجنبت حتى الآن توسيع الصراع ليشمل دولاً أطلسية.
بين الدبلوماسية واليقظة: حسابات أنقرة المفتوحة
بالنسبة إلى أنقرة، يتطلب المشهد موازنة دقيقة بين الدعوة إلى التهدئة، والتحسب لتداعيات قد تضرب الاقتصاد والحدود في آن واحد. فحرب طويلة الأمد تعني استمرار الضغط على أسعار الطاقة، واستمرار هشاشة الأسواق، واحتمال انزلاق الداخل الإيراني إلى فوضى تعيد رسم المشهد الأمني على حدود تركيا الشرقية.
السلطات تؤكد اليقظة الأمنية، وتواصل التحرك الدبلوماسي، مدركة أن امتداد الحرب قد لا يترك لها ترف الحياد السلبي، بل يفرض عليها خيارات صعبة تمس بنية استقرارها الداخلي.
الخلاصة
الحرب على إيران تضع تركيا أمام اختبار مركّب يجمع بين صدمة طاقة محتملة، وضغوط هجرة، ومخاطر أمنية حدودية. أنقرة تراهن على الدبلوماسية والردع الوقائي، لكنها تدرك أن حرباً طويلة قد تعيد تشكيل بيئتها الاستراتيجية والاقتصادية في آن واحد.

