تصدّرت تركيا قائمة الدول الأوروبية من حيث معدلات انتشار داء السكري، في مؤشر صحي مقلق يعكس تحولات عميقة في أنماط المعيشة والظروف الاجتماعية والاقتصادية، رغم امتلاك البلاد واحدة من أصغر الفئات العمرية على مستوى القارة.
تشير أحدث التقديرات الدولية إلى أن ما يزيد على سدس السكان البالغين في تركيا، ضمن الفئة العمرية بين العشرين والتاسعة والسبعين، يعيشون مع مرض السكري، أي ما يقارب تسعة ملايين وستمئة ألف شخص. هذه النسبة تضع تركيا في المرتبة الأولى أوروبياً، متقدمة على دول البلقان، في حين سجلت باكستان أعلى معدل عالمي من حيث العدد المطلق للمصابين.
أزمة عالمية تتسارع
على المستوى العالمي، يشهد مرض السكري توسعاً غير مسبوق، حيث ارتفع عدد المصابين بين البالغين خلال سنوات قليلة من أكثر من خمسمئة مليون إلى ما يناهز ستمئة وثلاثة وأربعين مليون شخص. هذا التصاعد السريع عزز التحذيرات من تحول المرض إلى واحدة من أخطر أزمات الصحة العامة في القرن الحالي، مع تباينات واضحة بين المناطق الجغرافية، إذ ما تزال أوروبا أقل تأثراً مقارنة بآسيا والشرق الأوسط، باستثناء الحالة التركية.
كلفة صحية تضغط على الاقتصاد
لا يقتصر أثر السكري في تركيا على الجانب الصحي، بل يمتد ليشكل عبئاً اقتصادياً متنامياً. فإجمالي الإنفاق السنوي المرتبط بعلاج المرض ومضاعفاته يُقدَّر بنحو تسعة وعشرين مليار دولار دولي محسوب وفق تعادل القوة الشرائية، بينما يبلغ متوسط الإنفاق الصحي السنوي على المريض الواحد أكثر من ثلاثة آلاف دولار دولي.
وتشمل هذه الكلفة النفقات الطبية المباشرة، إضافة إلى معالجة المضاعفات طويلة الأمد التي تستنزف الموارد الصحية وتزيد الضغط على النظام الصحي والمالية العامة.
أنماط حياة محفوفة بالمخاطر
يرتبط الارتفاع الحاد في معدلات السكري بمجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها قلة النشاط البدني، والأنظمة الغذائية غير الصحية، وازدياد معدلات السمنة، إلى جانب التوسع الحضري والشيخوخة السكانية والتفاوتات الاجتماعية والاقتصادية.
في الحالة التركية، تبدو هذه العوامل أكثر وضوحاً، حيث تفاقمت أنماط الحياة الخاملة وضعف الوصول إلى الغذاء الصحي في ظل سنوات من الضغوط الاقتصادية. ويرى مختصون أن السياسات الصحية تميل إلى تحميل الأفراد مسؤولية التحكم في الوزن والسلوك الغذائي، دون معالجة الجذور البنيوية للمشكلة، مثل الفقر المتصاعد، وغلاء المعيشة، وعدم تكافؤ الفرص في الحصول على غذاء متوازن.
السمنة… مؤشر إنذار مبكر
تدعم المعطيات الوطنية هذه الصورة القاتمة، إذ أظهرت نتائج مسح صحي واسع النطاق أن ما يقرب من ثلثي المشاركين صُنّفوا ضمن فئتي زيادة الوزن أو السمنة، وهي عوامل تُعد من أبرز مسببات السكري من النوع الثاني. هذه الأرقام تعكس تحول السمنة إلى ظاهرة عامة وليست حالة فردية معزولة.
النشاط البدني كرافعة وقائية
في تعليق على هذه المؤشرات، اعتُبر تصدر تركيا المشهد الأوروبي في معدلات السكري تطوراً مقلقاً، خاصة بالنظر إلى البنية العمرية الشابة. وتم التأكيد على أن تعزيز النشاط البدني يمكن أن يخفف بشكل ملموس من العبء الصحي والاقتصادي، حيث إن التزام مجتمعي بمعدلات معتدلة من الحركة الأسبوعية كفيل بتقليص مئات الملايين من الدولارات من تكاليف الرعاية الصحية.
وفي هذا السياق، سُجّل تحسن في معدلات النشاط البدني في إسطنبول خلال العام الماضي، ما انعكس بفوائد اقتصادية سنوية تُقدّر بمليارات الدولارات، في مثال يُستشهد به على الجدوى الاقتصادية للاستثمار في الصحة الوقائية.
ضغط اقتصادي يفاقم الأزمة
تتزامن هذه التحديات الصحية مع أزمة معيشية ممتدة، حيث تعاني تركيا منذ سنوات من تضخم مرتفع بلغ ذروته عند مستويات غير مسبوقة قبل أن يتراجع نسبياً، دون أن يخفف ذلك من الضغوط على الأسر في تأمين الغذاء والسكن والرعاية الصحية. هذا الواقع يزيد صعوبة تبني أنماط حياة صحية لدى شرائح واسعة من المجتمع.
تحذيرات من المستقبل
تحذيرات الخبراء تتقاطع عند نقطة واحدة: من دون سياسات وقائية أكثر شمولاً، وتدخلات مبكرة تعالج الأسباب الهيكلية للصحة العامة، فإن معدلات السكري مرشحة لمزيد من الارتفاع، مع ما يحمله ذلك من تعميق للفجوات الصحية والاجتماعية واستنزاف متواصل للموارد العامة.

