أعاد الاشتباك المسلح الذي وقع خلال مداهمة أمنية في تركيا، وأسفر عن مقتل ثلاثة من عناصر الشرطة، فتح نقاش واسع حول سياسات التعامل مع تنظيم داعش، بعد أن تبيّن أن بعض المشتبهين الذين قُتلوا في العملية كانوا قد خضعوا سابقًا لإجراءات قضائية وانتهى بهم الأمر خارج السجن.
العملية، التي تحولت إلى تبادل كثيف لإطلاق النار، أسفرت كذلك عن إصابة عدد من عناصر الأمن، ومقتل ستة مشتبهين جميعهم يحملون الجنسية التركية.
تفاصيل الاشتباك والأسئلة المؤجلة
بحسب المعطيات الرسمية، بادر المشتبهون بإطلاق النار فور بدء المداهمة، ما أدى إلى سقوط الضحايا في صفوف الشرطة. غير أن ما فجّر موجة الغضب لم يكن فقط حجم الخسائر، بل المعلومات التي تلت العملية، إذ كُشف أن أحد المشتبهين القتلى، المعروف إعلاميًا باسم ظفر أومتلو، كان قد حوكم سابقًا في قضية مرتبطة بداعش، قبل أن يُبرّأ ويُفرج عنه.
تزامن قضائي يثير الريبة
زاد من حدة الانتقادات أن حيثيات الحكم في تلك القضية صدرت في اليوم ذاته الذي وقعت فيه المواجهة الدموية، وهو ما اعتبره كثيرون مؤشرًا مقلقًا على خلل بنيوي في مسار المتابعة القضائية لملفات التطرف العنيف. هذا التزامن أشعل مطالبات علنية بمحاسبة القضاة وأعضاء النيابة، وطرح تساؤلات حول معايير التقييم الأمني والقضائي للمخاطر المحتملة.
الرأي العام بين الغضب وفقدان الثقة
على منصات التواصل الاجتماعي، تحوّل الغضب إلى حملة واسعة تنتقد ما وُصف بالتساهل مع عناصر يُشتبه في ارتباطهم بتنظيم داعش، في مقابل تشديد سريع على ضبط الفضاء الإعلامي. مستخدمون تداولوا لقطات ومنشورات قديمة منسوبة لأحد المشتبهين القتلى، قالوا إنها تحمل مؤشرات واضحة على التطرف، مؤكدين أن هذه المواد كانت متاحة علنًا ولم تُتخذ حيالها إجراءات وقائية.
انتقادات سياسية للقيود الإعلامية
في خضم هذا الجدل، وجّه نائب من حزب الشعب الجمهوري المعارض، مراد أمير، انتقادات حادة للسلطات، معتبرًا أن الغضب الشعبي مبرر، وأن الدولة سارعت إلى فرض قيود على التغطية الإعلامية بدل تقديم إجابات شفافة حول كيفية بقاء أشخاص ذوي صلات مزعومة بالتنظيمات المتطرفة خارج السجن. وأشار إلى أن منع البث خلال العملية أعطى انطباعًا بأن إدارة الصورة الإعلامية قُدّمت على حق المجتمع في المعرفة، في وقت قُتل فيه عناصر من الشرطة.
قرارات تنظيمية تزيد التوتر
هيئة الإذاعة والتلفزيون فرضت حظرًا مؤقتًا على التغطية المتعلقة بالحادثة، وهو قرار قوبل بانتقادات من صحفيين ومنظمات معنية بحرية التعبير. وفي تطور لاحق، أعلنت وزارة الداخلية توقيف ستة عشر شخصًا بتهمة نشر “محتوى استفزازي” حول الاشتباك، ما وسّع دائرة الانتقادات، حيث رأى معارضون أن التركيز انصبّ على ملاحقة الأصوات الغاضبة أكثر من تفكيك الشبكات المتطرفة نفسها.
سياق أوسع: تاريخ ملتبس في مواجهة داعش
تأتي هذه التطورات في ظل تاريخ معقّد لتركيا في التعامل مع تنظيم داعش. ففي المراحل الأولى لصعود التنظيم في سوريا والعراق، وُجهت لأنقرة انتقادات من حكومات غربية وباحثين ومعارضين أتراك، اتهموا السلطات باتباع سياسات مترددة أو غير متوازنة، ركزت على الصراع مع الحكومة السورية والقوى الكردية المسلحة أكثر من اعتبار داعش تهديدًا مباشرًا. لاحقًا، وبعد هجمات دامية داخل الأراضي التركية طالت مدنيين، انتقلت الدولة إلى نهج أكثر تشددًا، شمل حملات أمنية متكررة والانخراط في جهود دولية لمكافحة التنظيم.
اتهامات مستمرة رغم التحول الأمني
ورغم هذا التحول، لم تتوقف اتهامات صحفيين ومجموعات كردية وبعض المحللين بوجود حالات تساهل أو تغاضٍ سابق عن شبكات مرتبطة بداعش، بل وادعاءات بأن أجزاء من الجهاز الأمني استخدمت عناصر ذات صلات بالتنظيم في سياقات صراعية، خصوصًا ضد الفصائل الكردية. ومع كل حادثة جديدة، تعود هذه الاتهامات إلى الواجهة، مغذية فجوة الثقة بين الدولة وشرائح من المجتمع.

