عرف المشهد الرقمي في تركيا خلال عام 2024 تراجعًا ملحوظًا في مستوى حرية الإنترنت، عكسه تصاعد غير مسبوق في قرارات الحجب وتقييد المحتوى الإخباري والرقمي.
فقد باتت الرقابة الإلكترونية إحدى الأدوات المركزية في إدارة المجال العام، في ظل توسّع الإطار القانوني والأمني المنظّم للفضاء الرقمي.
أرقام تعكس تحوّلًا بنيويًا في الرقابة
سجّلت السلطات خلال عام واحد حجب الوصول إلى أكثر من سبعمئة ألف اسم نطاق، إلى جانب منع آلاف المواد الإخبارية من التداول الرقمي. كما شملت القيود ما يقارب ألفي حساب على منصات التواصل الاجتماعي، بينها عشرات الحسابات العائدة لصحفيين ومؤسسات إعلامية.
وتكشف المقارنة الزمنية عن قفزة استثنائية في حجم الحجب، إذ كان عدد النطاقات المحجوبة قبل عامين لا يتجاوز عشرات الآلاف، فيما كان عدد المواد الإخبارية المحظورة أقل بكثير، ما يشير إلى تسارع واضح في وتيرة التحكم بالمحتوى الرقمي.
استهداف منهجي لمحتوى الفساد والانتهاكات
يُظهر تحليل طبيعة المواد المحجوبة أن القسم الأكبر منها تناول قضايا فساد، إساءة استخدام السلطة، أو شبهات تتعلق بمسؤولين حكوميين. فقد ارتبطت آلاف الأخبار المحجوبة بملفات تمس الشأن العام والإدارة السياسية.
وعلى صعيد شبكات التواصل الاجتماعي، طالت القيود منشورات ركّزت بدرجة كبيرة على قضايا العنف ضد النساء والأطفال، إضافة إلى منشورات تتناول ادعاءات فساد وتجاوزات إدارية، ما يعكس حساسية السلطات تجاه المحتوى الرقابي والحقوقي.
الصحافة الرقمية تحت قرارات أمنية
لم تقتصر القيود على المحتوى الفردي، بل امتدت إلى مؤسسات إعلامية، حيث جرى حجب عشرات النطاقات التابعة لصحف مختلفة، استنادًا إلى قرارات قضائية برّرتها السلطات بدواعٍ تتصل بالأمن القومي والنظام العام.
وتضمّن السياق ذاته سلسلة قرارات بحجب تغطيات صحفية تناولت مناقصة عامة مُنحت لشخص تجمعه علاقة قديمة بنجل الرئيس التركي. ولاحقًا، توسّعت القيود لتشمل مادة متابعة ناقشت قرار الحجب الأول، ما عكس نمطًا تصاعديًا في التعامل مع التغطية الإعلامية للقضية.
تشريعات صارمة وحدود فضفاضة
يتقاطع هذا التصعيد مع مسار تشريعي ممتد خلال السنوات الماضية، شهد سن قوانين أكثر تشددًا تستهدف المنصات الرقمية، أبرزها قانون “مكافحة التضليل” الذي يجرّم نشر معلومات تُصنّف على أنها كاذبة أو مضللة، مع عقوبات تصل إلى السجن.
غير أن الإشكالية الأساسية، وفق مراقبين، تكمن في غياب معايير معلنة وواضحة لتحديد ماهية “التضليل”، أو الأسس التي تُصنّف بموجبها الحسابات والمحتويات باعتبارها مخالفة للقانون.
تهم متكررة وأدوات ضبط للفضاء العام
أصبحت اتهامات مثل “نشر معلومات مضللة” أو “إهانة رئيس الجمهورية” جزءًا من الأدوات القانونية الشائعة في ملاحقة الأصوات المنتقدة، وفق توصيفات حقوقية. ويُنظر إلى هذه التهم باعتبارها آليات لضبط الخطاب العام وتقليص هامش النقد السياسي في الفضاء الرقمي.
انعكاسات دولية وتصنيف متدنٍ
ساهم التوسع في الرقابة الرقمية في تراجع موقع تركيا على مؤشرات حرية الإعلام والإنترنت عالميًا. فقد صُنّفت ضمن الدول التي شهدت أكبر تدهور طويل الأمد في حرية الإنترنت خلال السنوات الأخيرة، نتيجة اتساع نطاق الحجب وتشديد الرقابة على المحتوى والمنصات.
وفي أحدث تقييم دولي، حلّت تركيا في الشريحة الأدنى من بين عشرات الدول المشمولة، مع تسجيل درجة متدنية عكست حجم القيود المفروضة على الفضاء الرقمي.
سياق عام: إعادة تشكيل المجال الرقمي
تعكس معطيات عام 2024 توجّهًا أوسع نحو إعادة هندسة المجال الرقمي في تركيا، حيث بات الإنترنت ساحة مركزية للتجاذب بين السلطة التنفيذية، والإعلام المستقل، والمجتمع المدني. ومع تصاعد القوانين الأمنية المنظمة للمحتوى، تتعزز المخاوف من ترسيخ الرقابة كسياسة دائمة لا كإجراء استثنائي.

