تكشف نتائج أحدث استطلاع أُجري بين مجموعة واسعة من المفصولين عقب محاولة الانقلاب الغامضة في تركيا عن حالة شبه إجماعية بأن منظومة العدالة لم تُتح لهم مطلقاً. الأغلبية الساحقة ممّن شملهم المسح قالت إنهم حُرموا من حق الدفاع والمحاكمة العادلة، في مؤشر يعكس استمرار الانقسام العميق حول طريقة إدارة الدولة لمرحلة ما بعد الانقلاب.
الاستطلاع شمل آلاف الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم متضررين بشكل مباشر من المراسيم الصادرة خلال حالة الطوارئ. وتُظهر البيانات أنّ من شملتهم الإجراءات لا ينظرون إليها كتدابير قانونية بقدر ما يرونها أدوات إقصاء جماعي اتسمت بغياب الأدلة الفردية والإجراءات القضائية الأساسية.
فشل آليات المراجعة: اللجنة الخاصة في دائرة الاتهام
النتائج تشير إلى فقدان الثقة بشكل شبه كامل في اللجنة التي شُكلت لمراجعة الاعتراضات على قرارات الفصل. فالغالبية اعتبرت أن اللجنة أخفقت في أداء مهمتها ولم تتحول إلى آلية إنصاف، بل إلى قناة شكلية لم تغيّر من واقع الضحايا.
هذه الرؤية السلبية تتقاطع مع تقارير حقوقية صدرت خلال السنوات الأخيرة، تحدثت عن بطء الإجراءات وغياب الشفافية وعدم استناد غالبية القرارات إلى أدلة ملموسة. ومع استمرار الطعون من دون حل، بات ملف المراسيم الطارئة أحد أكثر الملفات تعقيداً من حيث الأثر الاجتماعي والسياسي والقانوني.
السياق الذي سبق وتلا الانقلاب: الاتهامات المتبادلة والانقسامات العميقة
ترتكز السياسات الحكومية تجاه ما يُعرف بحركة الخدمة على اتهامات استبقت محاولة الانقلاب، بعد تصنيفها كجماعة إرهابية قبل الحادثة بفترة وجيزة. وفي المقابل، يستمر أتباع الحركة في نفي الاتهامات واعتبار الحملة ضدهم عملية اجتثاث سياسي تهدف إلى إعادة تشكيل الدولة وفق رؤية أحادية.
وفاة فتح الله كولن العام الماضي أعادت النقاش حول إرث الحركة وانتشار مؤسساتها التعليمية والاجتماعية حول العالم. ورغم ذلك، لا تزال السلطات التركية ترى في الحركة تهديداً للدولة، فيما ترفض حكومات ومنظمات دولية تبني هذا التوصيف.
أبعاد المحنة: أرقام تُجسّد “الموت المدني”
أعداد المفصولين خلال الطوارئ كانت ضخمة، وشملت قطاعات واسعة من القضاء والجيش والتعليم والخدمة المدنية. واتسمت معايير الإقصاء بالاتساع، ما بين استخدام تطبيقات تواصل ومنتجات بنكية وانتماء نقابي، دون المرور بمسار قضائي.
التبعات لم تقف عند الفصل، بل امتدت إلى حظر العمل في القطاع العام، وقيود على السفر، وصعوبات كبيرة في إيجاد فرص داخل القطاع الخاص. نسبة كبيرة من المشاركين تحدثت عن تمييز تعرض له أبناؤهم، وعن عزلة اجتماعية وضغط نفسي مستمر، وصولاً إلى وصف ما يعيشونه بأنه شكل من أشكال “الموت المدني” الذي يطيل أمد العقوبة إلى ما بعد الشخص ليطال عائلته وبيئته.
التشكيك في ضرورة المراسيم: فجوة تتسع بين السلطة والضحايا
من خلال الإجابات تتضح رؤية مشتركة لدى معظم المشاركين بأن المراسيم لم تكن ضرورية بهذا الشكل الواسع، وأنها طالت الأبرياء والمشتبه بهم على حد سواء. المشاعر العامة تعبّر عن شعور بالظلم الجماعي، وغياب المسؤولية الفردية في الاتهامات، وبأن الإجراءات استُخدمت لتصفية حسابات أو تسوية خصومات شخصية في بعض الحالات.
كما عبّر معظم المشاركين عن اعتقاد بأن هذه التدابير أضرت بسمعة البلاد في مجالات الديمقراطية واستقلال القضاء، وهو تقييم يتقاطع مع القراءات الدولية التي تعتبر بأن مرحلة ما بعد الانقلاب شهدت أحد أكبر تراجعات الحريات في تركيا.
دعوات متزايدة للإصلاح: نحو مسار جديد للعدالة؟
برز خلال الفترة الأخيرة خطاب يدعو إلى معالجة الملف بوصفه قضية وطنية وليست سياسية. وهذا الطرح يلقى صدىً لدى فئات واسعة ممن يعتبرون أن الحل لم يعد يحتمل التأجيل، ولا يمكن أن يظل مرهوناً للمعادلات الحزبية.
أغلبية كبيرة من المشاركين ترى أن الحل يجب أن يشمل تشريعاً جديداً أو عفواً شاملاً يعيد الحقوق ويحقق إعادة دمج كاملة، بما يشمل العودة إلى الوظيفة والاعتبار القانوني. وهناك تفضيل واضح لأن يأتي الإنصاف عبر القضاء لا من خلال مبادرات سياسية ظرفية، بما يسهم في استعادة الثقة في مؤسسات العدالة.
ورغم ذلك، يبقى التشاؤم سائداً بشأن إمكانية حلّ الملف في المدى القريب. نسبة غير صغيرة تشكك بإرادة الحكومات الحالية أو المقبلة في وضع القضية ضمن أولوياتها، في ظل استمرار الاستقطاب الداخلي وتعدد ملفات الأزمة الاقتصادية والسياسية.
سياق راهن: تصاعد الجدل مع اقتراب الاستحقاقات السياسية
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة وتزايد النقاش حول الإصلاحات الدستورية، يعود ملف المراسيم الطارئة إلى جدول القضايا الأكثر إلحاحاً. وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن تهديدات أمنية متواصلة، تتعالى الأصوات المطالبة بإغلاق هذا الملف عبر آليات تضمن العدالة الفردية وتعوّض الضحايا عن سنوات طويلة من الإقصاء.

