في تطور لافت داخل دوائر السلطة في تركيا، وجّه مستشار بارز لزعيم اليمين القومي دولت بهتشلي دعوة علنية إلى وزير العدل أكين غورلك لعقد مؤتمر صحفي موسّع، والكشف الكامل عن سجلاته العقارية، على خلفية اتهامات تتعلق بتضخم ثروته بشكل لا يتناسب مع دخله الوظيفي.
وجاءت هذه الدعوة على لسان يلدراي تشيتشك، وهو مستشار لبهتشلي وكاتب رئيسي في صحيفة مقربة من حزب الحركة القومية، ما أضفى على التصريح ثقلاً سياسياً خاصاً، باعتباره صادراً من داخل التحالف الحاكم نفسه.
شفافية مطلوبة لحماية مصداقية القضاء
تشيتشك شدد على أن توضيح هذه الاتهامات بات ضرورة، ليس فقط لحماية سمعة الوزير، بل أيضاً للحفاظ على مصداقية التحقيقات الجارية ضد بلدية إسطنبول، في إشارة إلى القضايا الواسعة التي تستهدف إدارات المعارضة.
ورغم وصفه اتهامات المعارضة بأنها محاولة لصرف الأنظار، إلا أنه أكد أن إزالة الشبهات تتطلب كشفاً كاملاً وشفافاً للبيانات العقارية.
اتهامات المعارضة: ثروة عقارية بمئات الملايين
من جهته، كان زعيم حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزل قد فجّر القضية باتهامه وزير العدل بامتلاك أصول عقارية، حالية وسابقة، تُقدّر بنحو 452 مليون ليرة تركية، وهو رقم اعتبره غير قابل للتفسير في ضوء دخل موظف حكومي، حتى مع احتساب دخل زوجته التي تعمل قاضية.
وأكد أوزل أن حجم هذه الممتلكات يثير تساؤلات جدية حول مصادرها، داعياً إلى تحقيق شفاف ومستقل.
رد الوزير: نفي وتهديد بالملاحقة القضائية
في المقابل، نفى غورلك هذه الاتهامات بشكل قاطع، مؤكداً أنه لا يمتلك سوى أربعة عقارات، وأن الوثائق التي عرضها أوزل لا تعكس السجلات الرسمية الفعلية.
كما أوضح أنه وزوجته يقدمان إقرارات ذمة مالية دورية للجهات المختصة، معلناً عزمه اتخاذ إجراءات قانونية بحق أوزل.
غير أن الأخير أشار لاحقاً إلى عدم رفع أي دعوى ضده حتى الآن، معلناً استعداده للجوء إلى القضاء بنفسه لطلب السجلات الرسمية وحسم الجدل قانونياً.
تحقيقات موازية: تسريب بيانات وسجلات عقارية
تزامناً مع تصاعد الجدل، اتخذت السلطات إجراءات بحق موظفين في دوائر السجل العقاري، حيث تم تعليق عمل ثلاثة موظفين واحتجاز آخر، على خلفية تتبع عمليات بحث متكررة في سجلات الوزير، يُشتبه في أن بعضها تم تسريبه إلى المعارضة.
هذا التطور أضاف بعداً أمنياً للقضية، وربطها بمسألة حماية البيانات الرسمية وسرية السجلات الحكومية.
خلفية سياسية: دور غورلك في ملاحقة المعارضة
لا تقتصر أهمية القضية على البعد المالي، بل ترتبط أيضاً بالدور السياسي والقضائي الذي لعبه غورلك في السنوات الأخيرة.
فبصفته المدعي العام السابق في إسطنبول، أشرف مباشرة على تحقيقات واسعة استهدفت بلديات تديرها المعارضة، وأسفرت عن توقيف عدد من رؤساء البلديات، في قضايا تتراوح بين الفساد والإرهاب، وهي قضايا تعتبرها منظمات حقوقية ذات دوافع سياسية.
وكان غورلك هو المسؤول عن التحقيق الذي أدى إلى اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في مارس 2025، وهو أحد أبرز المنافسين السياسيين للرئيس رجب طيب أردوغان، ويواجه أحكاماً محتملة بالسجن لمدد طويلة في عدة ملفات.
تسلسل التعيينات: صعود سريع داخل الجهاز القضائي
شهد مسار غورلك المهني تسارعاً لافتاً، حيث انتقل من منصب نائب وزير العدل بين 2022 و2024 إلى تعيينه مدعياً عاماً لإسطنبول رغم عدم امتلاكه خبرة سابقة في الادعاء العام، قبل أن يُرقّى إلى منصب وزير العدل في فبراير 2026، بعد فترة قصيرة من إتمام تحقيقاته ضد بلدية إسطنبول.
هذا التسلسل السريع عزّز من حساسية الاتهامات الموجهة إليه، خاصة في ظل موقعه الحالي المشرف على المنظومة القضائية.
أزمة ثقة مركبة: بين السياسة والقضاء
تضع هذه التطورات النظام القضائي التركي أمام اختبار صعب، حيث تتقاطع اتهامات الفساد مع الصراع السياسي، وتُطرح تساؤلات حول استقلالية القضاء ومصداقية التحقيقات الجارية.
وترى المعارضة أن استمرار غورلك في موقعه، في ظل هذه الاتهامات، يضعف الثقة في القضايا التي أشرف عليها، بينما تؤكد الحكومة أن الإجراءات القانونية كفيلة بكشف الحقيقة.
خلاصة
تكشف قضية ثروة وزير العدل عن تصدّع نادر داخل التحالف الحاكم، وتضع الشفافية القضائية في قلب الجدل السياسي. وبين النفي الرسمي وضغط المعارضة، يبقى الحسم مرهوناً بمسار قضائي قد يعيد رسم حدود الثقة في المؤسسات.

