تشهد تركيا موجة توقيفات واعتقالات جديدة ضمن الحملة المستمرة التي تقودها السلطات ضد أشخاص يُشتبه بارتباطهم بحركة الخدمة المعروفة بحركة كولن إعلاميا.
العمليات الأخيرة، التي نُفذت بشكل متزامن في عشرات الولايات، تعكس استمرار النهج الأمني الذي اعتمدته أنقرة منذ محاولة الانقلاب عام 2016، مع توسيع نطاق التحقيقات لتشمل قطاعات عسكرية ومدنية ومالية.
عمليات متزامنة تمتد عبر عشرات الولايات
في محافظة إزمير غرب البلاد، أصدر الادعاء العام مذكرات توقيف بحق عدد كبير من العسكريين، من بينهم ضباط في الخدمة الفعلية وآخرون متقاعدون. وشملت الحملة مداهمات منسقة في ثلاث وثلاثين ولاية، أسفرت عن توقيف العشرات، بينهم قادة درك على مستوى الأقضية. ولا تزال الجهود الأمنية مستمرة لتعقب بقية المطلوبين.
وفي عملية منفصلة انطلقت من محافظة قيصري وسط البلاد، نفذت الشرطة حملات دهم متزامنة في أربع ولايات أوقفت خلالها سبعين شخصاً. وخلال التفتيش صادرت قوات الأمن كتباً دينية ومواد رقمية وبطاقات مصرفية صادرة عن بنك آسيا، وهو مصرف كان يُنظر إليه باعتباره قريباً من الحركة قبل إغلاقه.
أما في تحقيق آخر تقوده النيابة في إسطنبول، فقد تم توقيف ثمانية عشر شخصاً، بينهم ستة عشر موظفاً عاماً، في مداهمات شملت ثماني ولايات. وتركزت الاتهامات على العضوية في الحركة استناداً إلى إفادات متعاونين مع التحقيق وسجلات يُقال إنها مستقاة من شاهد سري، إضافة إلى ما تصفه السلطات بـ”أنماط اتصال تسلسلية” عبر الهواتف العمومية.
“تحقيقات الهواتف العمومية”: ركيزة اتهام مثيرة للجدل
تعتمد بعض التحقيقات الجارية على ما يُعرف بملفات الهواتف العمومية. وتستند هذه المقاربة إلى فرضية أن أحد أعضاء الحركة يستخدم هاتفاً عمومياً واحداً للاتصال المتتابع بأشخاص آخرين يُعتقد أنهم مرتبطون بها. وبموجب هذا الافتراض، يُعتبر أي رقم جرى الاتصال به مباشرة قبل أو بعد الاتصال الأساسي جزءاً من شبكة مفترضة.
غير أن السلطات لا تمتلك تسجيلات لمحتوى هذه المكالمات، فيما يقوم الاشتباه حصراً على ترتيب الاتصالات وتوقيتها، وهو ما أثار انتقادات قانونية متكررة بشأن معيار الإثبات واعتماد القرائن الظرفية دون مضمون فعلي للمحادثات.
اعتقال مفتشي ضرائب وتحقيقات داخل وزارة المالية
في سياق متصل، أمرت محكمة في إسطنبول بحبس اثنين وخمسين مفتش ضرائب احتياطياً، بعد توقيفهم ضمن تحقيق أوسع يطال ثلاثة وتسعين من العاملين الحاليين والسابقين في وزارة الخزانة والمالية. واعتمد الادعاء، جزئياً، على بيانات اتصالات عبر هواتف عمومية وإفادات شهود.
وفرضت المحاكم تدابير رقابة قضائية على ثمانية وثلاثين مشتبهاً بهم، بينما أُفرج عن أربعة آخرين عقب تعاونهم مع المحققين.
خلفية سياسية ممتدة منذ عام 2013
تعود جذور المواجهة بين الحكومة التركية وحركة كولن إلى ديسمبر 2013، حين طالت تحقيقات فساد مسؤولين بارزين ومقربين من الرئيس رجب طيب أردوغان. واعتبر أردوغان آنذاك أن تلك التحقيقات تمثل “انقلاباً قضائياً” تقوده الحركة، لتبدأ مرحلة استهداف ممنهج لأنصارها.
في مايو 2016 صُنفت الحركة رسمياً كتنظيم إرهابي، ثم تصاعدت الحملة بشكل غير مسبوق عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو من العام نفسه، والتي اتهمت أنقرة الراحل فتح الله كولن بتدبيرها. ومنذ ذلك الحين، اتسعت دائرة الإجراءات لتشمل الاعتقال والفصل من الوظائف العامة وإغلاق مؤسسات تعليمية وإعلامية.
أرقام تعكس اتساع نطاق الحملة
وفق أحدث البيانات الصادرة عن وزارة العدل، تجاوز عدد من صدرت بحقهم أحكام إدانة بتهم الارتباط بالحركة مئة وستة وعشرين ألف شخص منذ عام 2016، فيما لا يزال أكثر من أحد عشر ألفاً داخل السجون. كما تستمر إجراءات قضائية بحق أكثر من أربعة وعشرين ألف شخص، بينما يخضع نحو ثمانية وخمسين ألفاً لتحقيقات نشطة بعد مرور ما يقارب عقداً على بدء الحملة.
إلى جانب من يقبعون خلف القضبان، اضطر آلاف آخرون إلى مغادرة البلاد تفادياً للملاحقات، ما أوجد موجة لجوء سياسي امتدت إلى أوروبا وأمريكا الشمالية ودول أخرى.
أبعاد اجتماعية وإنسانية
روايات أقارب بعض الموقوفين في العمليات الأخيرة تشير إلى أن من بينهم موظفاً مدنياً فُصل حديثاً من عمله ونجله البالغ من العمر عشرين عاماً، وُجّهت إليهما اتهامات بالمشاركة في لقاءات دينية وأنشطة توصف بأنها إعادة هيكلة للحركة. وتُظهر هذه الحالات أن التحقيقات لا تقتصر على المناصب العليا، بل تمتد إلى دوائر اجتماعية وعائلية أوسع.
سياق راهن وتطورات مستمرة
تأتي هذه التطورات في ظل استمرار الحكومة في تأكيدها أن التهديد المرتبط بالحركة لم ينتهِ، وأن شبكاتها لا تزال تنشط سراً داخل مؤسسات الدولة. في المقابل، تواصل منظمات حقوقية دولية ومحلية التعبير عن قلقها إزاء طول أمد الإجراءات القضائية واتساع نطاقها واعتمادها على أدلة ظرفية، معتبرة أن ذلك يطرح تساؤلات حول معايير المحاكمة العادلة.
وبينما تقترب البلاد من عقد كامل على محاولة الانقلاب، يبدو أن ملف كولن ما يزال أحد أكثر الملفات حساسية في المشهدين الأمني والسياسي، مع استمرار الاعتقالات والتحقيقات بوتيرة متجددة.
الخلاصة
الحملة الأمنية ضد المشتبه بارتباطهم بحركة كولن تدخل مرحلة جديدة من الاتساع، شملت عسكريين وموظفين مدنيين ومفتشي ضرائب عبر عمليات متزامنة في عدة ولايات. ورغم مرور سنوات على محاولة الانقلاب، لا تزال التحقيقات والمحاكمات مستمرة بأرقام كبيرة، في ظل جدل قانوني وحقوقي متواصل.

