في خطوة تعكس تصاعد الرقابة الرقمية في تركيا، قامت منصة إكس بحجب الوصول إلى ما لا يقل عن 42 حسابًا يعود لصحفيين ونشطاء أتراك، بالإضافة إلى وسائل إعلام يديرها صحفيون يعيشون في المنفى.
حظر واسع النطاق يستهدف الصحفيين والمنظمات الإعلامية
تأتي هذه الخطوة ضمن سلسلة من الإجراءات التي تقيّد حرية الصحافة في الفضاء الرقمي التركي، حيث شمل الحظر حسابات لعدد من الصحفيين البارزين الذين يعيشون في المنفى، من بينهم طورهان بوزكورت، وعبد الله بوزكورت، وأمرة أوسلو، وأرغون باباهان، وبصري دوغان، وأركام طوفان أيتاف، إضافة إلى الحساب الرسمي لمنصة Bold News، التي أسسها مجموعة من الصحفيين الأتراك في المهجر. ك
ما طالت القيود حسابات ناشطين بارزين، بينهم المحاميان مراد أكوش وغوكهان غونش، المعروفان بمتابعة انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا، وتقديم الاستشارات القانونية لضحايا حملة التطهير التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016.
قرار قضائي بدعوى الأمن القومي
يأتي هذا الحظر استجابةً لحكم صادر عن محكمة في أنقرة، استند إلى مبررات تتعلق بـ”حماية الأمن القومي والنظام العام”، علمًا أن منصة إكس التي تمتلك سجلًا سيئًا في الامتثال لطلبات الرقابة التي تفرضها الحكومة التركية، استجابت لهذا القرار دون أي شفافية أو تبريرات مفصلة.
موقف الصحفيين المنفيين وردود الأفعال
من بين الصحفيين المحظورة حساباتهم، يتمتع طورهان بوزكورت، الكاتب والصحفي المتخصص في الشؤون الاقتصادية، بقاعدة جماهيرية كبيرة على المنصة، حيث يتجاوز عدد متابعيه 318,000 متابع. وأكد في تصريحات له أنه سيواصل عمله الصحفي رغم الحجب، معتبرًا أن “الصحافة ستتحول إلى مجرد دعاية إذا امتنع الصحفيون عن انتقاد السلطة”. ولمواجهة الحظر، أنشأ بوزكورت حسابًا جديدًا على المنصة ليتمكن من البقاء على اتصال مع جمهوره داخل تركيا.
في السياق ذاته، أعلنت الرئاسة التركية عبر مديرية الاتصالات أن الحظر يأتي في إطار “المواجهة الرقمية” ضد “حركة الخدمة”، التي تتبع فكر الراحل فتح الله كولن، متهمة الحسابات المحظورة بنشر “دعاية مضللة”.
وكانت السلطات التركية قد صنّفت الحركة كمنظمة إرهابية، محملة إياها مسؤولية محاولة الانقلاب في يوليو 2016، وهو ما تنفيه الحركة بشدة.
امتداد الحظر ليشمل وسائل إعلام أخرى
إلى جانب الحسابات المحظورة رسميًا، امتدت القيود لتشمل وسائل إعلام أخرى لم ترد أسماؤها ضمن القائمة الرسمية للحظر. فقد أكدت منصة “أرتي جرشك” الإخبارية، المتخصصة في تغطية القضايا الكردية وانتهاكات حقوق الإنسان في تركيا، أن حسابها على إكس قد تم حجبه داخل البلاد. وأعلنت المنصة أنها بصدد اتخاذ إجراءات قانونية ضد القرار القضائي الذي استند، كما في الحالات السابقة، إلى “حماية الأمن القومي والنظام العام”.
من جانبه، وصف يامان أقدنيز، أستاذ القانون وأحد مؤسسي “جمعية حرية التعبير” في إسطنبول، قرار الحظر بأنه “محاولة خطيرة لتكميم الأفواه”، مشيرًا إلى أن القيود فُرضت دون شفافية أو إخطار مسبق.
اتساع نطاق الرقابة الرقمية في تركيا
ليست هذه المرة الأولى التي تتخذ فيها السلطات التركية إجراءات مماثلة، ففي أكتوبر الماضي، حجبت إكس أكثر من100 حساب تابع لصحفيين ونشطاء ومنظمات إعلامية يديرها صحفيون في المنفى، في خطوة جاءت مباشرةً بعد وفاة فتح الله كولن في ولاية بنسلفانيا.
كما تزامن هذا الحظر مع قيام السلطات التركية باعتقال عدد من الأشخاص، بينهم صحفيون، لمجرد نشرهم رسائل تعزية بوفاة كولن عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو على شاشات التلفزيون. وقد تبيّن أن بعض الحسابات المحظورة نشرت بالفعل تعازي أو تعليقات إيجابية عن كولن وحركته، فيما لم يكن لهذا العامل أي صلة بحسابات أخرى مشمولة بالحظر.
إكس والتنازلات أمام القوانين التركية
بعد تعرضها لعقوبات قانونية، اضطرت منصة إكس، المعروفة سابقًا بـتويتر، إلى تعيين ممثل رسمي لها في تركيا، امتثالًا لقانون وسائل التواصل الاجتماعي المثير للجدل، الذي وصفته منظمات حقوقية وإعلامية بأنه “يشرعن الرقابة ويحد من حرية التعبير”. يُلزم هذا القانون منصات التواصل الاجتماعي التي تضم أكثر من مليون مستخدم بتعيين ممثلين لها في تركيا للامتثال لطلبات إزالة المحتوى.
وفي مايو 2023، عشية الانتخابات الرئاسية التركية، امتثلت إكس لطلبات الحكومة التركية بحجب أربعة حسابات و409 تغريدات انتقدت الرئيس رجب طيب أردوغان. وقد سبق أن تعرضت المنصة نفسها للحجب داخل تركيا في 2014، عندما رفضت الاستجابة لأوامر أردوغان بحذف بعض المحتويات.
تركيا: الأسوأ أوروبيًا في حرية الإنترنت
التضييق على الحريات الرقمية في تركيا لم يمر دون أن يثير انتقادات دولية؛ فقد صنّف تقرير “فريدم هاوس” لعام 2024، الصادر في واشنطن، تركيا على أنها الدولة الأقل حرية في الإنترنت على مستوى أوروبا، حيث حصلت على31 نقطة فقط من أصل100 في مؤشر الحرية الرقمية.
ووفقًا للتقرير، فإن السلطات التركية لا تكتفي بممارسة الرقابة على المحتوى الإلكتروني، بل تلجأ أيضًا إلى ملاحقة الأفراد قضائيًا بسبب منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد تم مؤخرًا حجب فيسبوك، وإكس، ويكيبيديا، وإنستغرام لفترات مؤقتة، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة.

