عاد ملف الاحتجاز المطوّل في تركيا إلى واجهة النقاش بعد التصريح اللافت الذي أدلى به فتي يلديز، نائب رئيس حزب الحركة القومية، حليف الحزب الحاكم.
ففي سياق يتّسم بتزايد الانتقادات المرتبطة بقرارات التوقيف الممتدة، شدّد يلديز – وهو أحد أبرز الأسماء القانونية داخل التحالف الحاكم – على أن التوقيف ليس عقوبة بحد ذاته، بل تدبير مؤقت يهدف حصراً إلى ضمان سير العدالة.
دعوة إلى التقيد الصارم بمبادئ المحاكمة العادلة
في منشوراته على إكس، أوضح يلديز أن الوصول إلى الحقيقة المادية لا يمكن أن يتحقق إلا بالتمسّك التام بالمبادئ الكونية للقانون. واعتبر أن أي عملية قضائية تقوم على أدلة غير مكتملة أو باجتهادات ظرفية تفقد قيمتها، حتى لو اتسقت ظاهرياً مع الوقائع.
وفي هذا الإطار، أكد أن التوقيف – باعتباره أحد أقسى التدابير التي تحدّ من حرية الفرد وأمنه الشخصي – يجب أن يُتخذ ضمن شروط ضيقة، وبعد تدقيق دقيق، وبدرجة عالية من الانتباه، نظراً لآثاره المستمرة على حياة المتهمين.
أوضاع المرضى وكبار السن داخل السجون
لفت يلديز الانتباه إلى الحالات الإنسانية التي ترتبط مباشرة بملف الاحتجاز، مشيراً إلى أن السجناء الذين يعانون من أمراض خطيرة أو حالات إعاقة أو هشاشة صحية لا يمكن علاجهم بفعالية داخل السجون.
وأكد أن الإصرار على الإبقاء على هذه الفئات في بيئة احتجاز دائمة لا يتوافق مع معايير الدولة الدستورية الحديثة، ولا مع مسؤولياتها القانونية تجاه صحة الأفراد وكرامتهم الإنسانية.
فعالية الأحكام القضائية كركيزة لشرعية النظام القانوني
استند يلديز في طرحه إلى مثال تاريخي ورد في رسالة للخليفة عمر بن الخطاب إلى القاضي أمير موسى في البصرة، مشدداً على أن القيمة الحقيقية للحق لا تكمن في الإعلان عنه، بل في القدرة على تطبيقه. وبالنسبة له، فإن الحكم القضائي الذي لا يُنفَّذ يفقد وظيفته الأساسية ولا يحقق العدالة المتوقعة منه.
ويشير هذا التذكير إلى النقاش الأوسع في تركيا حول تنفيذ بعض الأحكام القضائية التي أثارت جدلاً داخلياً وخارجياً في السنوات الأخيرة، خصوصاً تلك المرتبطة بقرارات المحكمة الدستورية والمحاكم الدولية.
السياق الراهن: تصاعد النقاش حول استقلال القضاء وتنفيذ الأحكام
تزامن تصريح يلديز مع مرحلة تشهد تجاذبات سياسية وقضائية معقدة، في ظل انتقادات متكررة تتعلق بتأخر تنفيذ بعض القرارات القضائية الصادرة عن أعلى الهيئات القضائية في البلاد، إضافة إلى النقاش المحتدم حول طول فترات التوقيف في ملفات سياسية وأمنية بارزة.
وفي هذا المشهد، يكتسب موقف قيادي من داخل التحالف الحاكم – وخصوصاً من صاحب خلفية قانونية – أهمية إضافية، كونه يلقي الضوء على وجود إدراك متزايد للحاجة إلى مراجعة أدوات التوقيف وتعزيز ثقة الجمهور بفعالية النظام القضائي.

