أصدرت محكمة تركية قرارًا بالإفراج عن جميع المتهمين الموقوفين احتياطيًا في قضية تتعلق بادعاءات إساءة معاملة طلاب متدربين قُصّر داخل البرلمان التركي، في خطوة فجّرت موجة واسعة من الانتقادات السياسية والحقوقية. المحكمة بررت قرارها بطول مدة التوقيف الاحتياطي وعدم وجود مؤشرات على خطر فرار المتهمين، على أن تُستكمل المحاكمة في جلسة لاحقة منتصف أيار.
القرار صدر عن المحكمة الجنائية الابتدائية السابعة والخمسين في أنقرة، خلال الجلسة الثانية من المحاكمة، في قضية تُعد من أكثر الملفات حساسية بالنظر إلى وقوعها داخل أروقة المؤسسة التشريعية نفسها.
خلفية القضية: اتهامات داخل مؤسسة سيادية
تعود جذور القضية إلى تحقيق إداري أطلقه البرلمان التركي في تشرين الثاني من عام 2025، عقب شكوى تقدمت بها عائلة إحدى الطالبات، اتهمت فيها موظفين برلمانيين بممارسة انتهاكات ممنهجة بحق طلاب ثانويين كانوا يؤدون تدريبًا عمليًا داخل البرلمان.
التحقيقات تحولت لاحقًا إلى مسار قضائي، وأسفرت عن توقيف عدد من الموظفين البرلمانيين، وسط تغطية إعلامية مكثفة وضغط شعبي متصاعد، ما وضع القضية في صدارة النقاش العام حول سلامة القُصّر داخل المؤسسات الرسمية.
مرافعات المتهمين: إنكار وضغوط إعلامية
خلال الجلسة، ركّز المتهمون وهيئات الدفاع على التشكيك في مبررات توقيفهم، معتبرين أن الحبس الاحتياطي جاء نتيجة الضغط الإعلامي والغضب الشعبي أكثر من كونه قائمًا على أدلة دامغة.
أحد المتهمين، درموش أوغورلو، قال أمام المحكمة إنه أمضى قرابة شهرين في السجن بسبب جريمة لم يرتكبها، بينما شدد المتهم الآخر رجب سيفن على أن مسيرته المهنية كانت مكرسة لتعليم الطلاب، وأن توقيفه ألحق به ظلمًا جسيمًا.
محامو الدفاع ذهبوا أبعد من ذلك، مشيرين إلى أن القضية تُدار انتقائيًا، وطالب أحدهم بتوسيع التحقيق ليشمل شخصيات برلمانية رفيعة، من بينها نائب سابق عن حزب العدالة والتنمية، بعد ورود أسمائهم في تقارير صحفية.
لحظة صدام داخل قاعة المحكمة
إحدى أكثر اللحظات إثارة للتوتر في الجلسة وقعت عندما ادّعى محامي المتهم خليل إلكر غونر أن العلاقة مع الطالبة المتدربة كانت “برضاها”، وهو ما فجّر ردود فعل غاضبة من عائلة الضحية ومن ممثلي منظمات حقوق الطفل الحاضرين في القاعة.
رئيسة مركز حقوق الطفل في نقابة محامي أنقرة، جميلة ديدم كارابوغا، رفضت هذا الطرح بشكل قاطع، معتبرة أن الحديث عن الرضا في سياق علاقة غير متكافئة بين موظف بالغ وطالبة قاصر يتعارض كليًا مع معايير حماية الطفل.
كارابوغا انتقدت أيضًا المحكمة لعدم الاستجابة الفورية لطلبات السرية، ولمواصلة الجلسات دون اتخاذ تدابير كافية لحماية الضحايا القُصّر، مشيرة إلى وجود رسائل صريحة منسوبة إلى المتهم تعكس، برأيها، استغلالًا للسلطة وإكراهًا نفسيًا، لا علاقة رضائية متكافئة.
موقف الادعاء والجهات الرسمية
رغم مطالبات الدفاع، تمسك الادعاء العام برأيه القاضي بوجود شبهة قوية بارتكاب الجريمة، معتبرًا أن إجراءات الرقابة القضائية البديلة غير كافية، وطالب بالإبقاء على المتهمين قيد التوقيف الاحتياطي.
وزارة الأسرة والخدمات الاجتماعية، التي انضمت إلى القضية كطرف متدخل، دعمت موقف الادعاء، مؤكدة ضرورة استمرار التوقيف. كما شدد محامي البرلمان على أن القضية لا تمس أفرادًا فحسب، بل ألحقت ضررًا مباشرًا بالمؤسسة التشريعية، لكون المتهمين كانوا موظفين رسميين أثناء الوقائع المنسوبة إليهم.
قرار الإفراج وتبريراته
على الرغم من ذلك، قررت المحكمة الإفراج عن جميع المتهمين الموقوفين، مستندة إلى طول مدة الحبس الاحتياطي وعدم وجود مؤشرات على نية الفرار، مع تحديد موعد للجلسة المقبلة في الخامس عشر من أيار.
هذا القرار، وإن جاء ضمن صلاحيات المحكمة، فتح بابًا واسعًا للنقاش حول معايير العدالة وتفاوتها في القضايا ذات البعد السياسي أو الحقوقي.
انتقادات سياسية واتهامات بازدواجية المعايير
القرار لم يمر دون ردود فعل سياسية حادة. نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري، غوكجه غوكجن، تساءلت أمام محكمة أنقرة عن منطق الإفراج عن متهمين بقضايا إساءة بحق قُصّر، في وقت يبقى فيه سياسيون معارضون قيد السجن رغم امتلاكهم عناوين ثابتة وعدم وجود خطر فرار.
من جهتها، حمّلت رئيسة فرع المرأة في الحزب، أسو كايا، مسؤولية ما جرى لكبار مسؤولي الدولة، ووجهت أسئلة مباشرة إلى رئيس البرلمان ووزيري التربية والأسرة، حول أسباب فشل آليات الرقابة، وتأخر أو نقص الأدلة التقنية مثل تسجيلات الكاميرات الأمنية.
وأكدت كايا أن الصمت المؤسسي إزاء قضايا تمس الأطفال يمثل خللًا بنيويًا في منظومة الحماية، متسائلة عمّا إذا كانت مسؤولية حماية القُصّر قد أُفرغت من مضمونها.
الخلاصة
قرار الإفراج عن المتهمين في قضية متدربي البرلمان أعاد تسليط الضوء على إشكاليات العدالة وحماية الأطفال في تركيا، وفتح نقاشًا واسعًا حول الشفافية والمساءلة داخل المؤسسات السيادية، في انتظار ما ستؤول إليه جلسات المحاكمة المقبلة.

